المجلس انقلب عليهم بسببها
أوقف نوفل يدها عند حافة الفناء قبل أن تلمس ستارة المدخل، وقال بصوتٍ سمعه الرجال القريبون من أباريق القهوة: «النسوان من هنا، والداخل لأهل الدعوة فقط.» كانت صينية الحلوى الدائرية في يد سلمى أثقل من حقيقتها، يضغط طرفها المعدني على أثر قديم لعلامة قلم أزرق في إصبعها، وكيس صغير فيه علبة طعام باردة يتدلى من معصمها الأخرى. لم يمد يده للسلام، ولم يقل أهلاً. فقط سدّ المسافة بجسده، كأنه يردّ سائقة توصيل أخطأت العنوان، لا امرأة تعرفها العائلة والأصدقاء ويعرفون منذ شهور أن رائد لا يلتفت إلى غيرها.
وقفت تحت إضاءة الفناء البيضاء التي تكشف الوجوه أكثر مما تكرمها. خلف نوفل كانت الكراسي البلاستيكية على طرف الجدار مشغولة بأكياس الهدايا، لا بالناس، كأن حتى الجلوس هنا له رتبة. من الداخل ينساب صوت الملاعق وصوت عمة تضحك ضحكة مرتفعة محسوبة، ومن الممر الجانبي مرت صينية قهوة إلى رجال وصلوا بعدها بدقائق. قالت سلمى بهدوء لا يطلب إذناً: «أنا ما جيت غلط.» ثم نقلت ثقل الحلوى من يد إلى يد، وخطت نصف خطوة إلى داخل الظل بدل أن تتراجع إلى الشارع.
التفتت رؤوس قليلة. امرأة كبيرة في السن كانت تهم بأن تستقبل قريبات من جهة الأم حبست ترحيبها ونظرت إلى نوفل أولاً. تلك كانت الضربة الأولى؛ ليس المنع وحده، بل أن الجميع أخذوا قراءته للمشهد كأنها القراءة الصحيحة. نوفل رفع ذقنه قليلاً، والساعة المعدنية في معصمه تلمع كلما أشار كمن ينظم الدخول في قاعة فندق لا في بيت مناسبات لعائلة واحدة. قال: «ما أحد قال لك تعالي اليوم. وإذا عندك شيء، خلّيه وينصرف به العامل.»
لو كان الأمر مالاً فقط لهان. لكن سلمى لم تحمل الحلوى من طرف الرياض إلى طرفها الآخر بعد دوام طويل في شركة مقاولات تخدم مشاريع في قطاع الطاقة، ولم تطوِ الإيصال نصفين ثم تفتحه في الطريق لتتأكد أنها لم تنس شيئاً، ولم تسمع خالها يوصيها: لا ترفعين صوتك، الكبار موجودون، إلا لأن حضورها اليوم كان اختباراً علنياً لما ظلوا جميعاً يعلقونه بين الوعد والإنكار. ابتلعت الإهانة، لا خوفاً منه، بل لأن المغادرة الآن كانت تعني أن قراءته ستثبت قبل أن يبدأ الحفل.
جاءت أم نوفل من طرف الممر بخطا قصيرة سريعة، فظنت سلمى للحظة أن الأمر سينكسر. لكن المرأة لم تقترب منها، بل أخذت من يد بنت أخيها صحن التمر أولاً، ومالت على ضيفة متأخرة بالترحاب، ثم مرّت بمحاذاة سلمى وكأنها عمود إنارة في الطريق. بعد ثوانٍ فقط، دخلت امرأتان أصغر منها عمراً بلا سؤال، وقُدّمت لهما القهوة عند العتبة نفسها التي وقفت عندها هي فارغة اليدين إلا من الشيء الذي جاءت به. حتى الحلوى لم يطلبها أحد منها. تركوها تحملها لتبدو زائدة.
قالت فتاة من بنات العائلة، وهي تتجنب النظر مباشرة: «يمكن تجلسين شوي هناك.» وأشارت إلى زاوية فيها طرف كرسي بلاستيكي مكسور بجانب باب المطبخ الخارجي. لم تقل مجلس النساء، لم تقل تفضلي، فقط «هناك»؛ مكان انتظار لا مكان ضيافة. حملت سلمى صينيتها بنفس اليدين اللتين كانتا ترتجفان من شدّ القبض، وتقدمت حتى الزاوية. مرّت بجانبها القهوة مرتين، والتمر مرة، والتحايا كلها تجاوزتها كما يتجاوز الماء حجراً معروفاً في مجراه.
في الفناء المفتوح، أمام الرجال والنساء معاً، بدا نوفل أكثر جرأة كلما صمتت. أخذ يوزع التعليمات على الصغار، يفتح جهة ويغلق جهة، ويقول لمن يسأله: «رتّبنا الأمور.» كان يتصرف بسلطة مستعارة من اسم أخيه ومن توتر الليلة، لا أكثر، لكن المستعار في المجالس يكفي إذا سكت أصحاب الحق. وحين سألته خالة بعيدة بنبرة فضول جارح: «هي داخلة معنا أو وش وضعها؟» لم يخفض صوته، بل قال وهو ينظر إلى الساعة: «وضعها أنها تنتظر إلى أن نشوف إذا في مكان مناسب.»
رفعت سلمى رأسها عند كلمة «مناسب». لم تتكلم فوراً. وضعت صينية الحلوى على الطاولة الجانبية قرب الستارة، وأخرجت الإيصال المطوي من طرف عباءتها ثم أعادته من غير أن تنظر إليه؛ مجرد حركة أعادت ليدها اتزانها. بعدها مشت خطوتين إلى وسط الحلقة المفتوحة، بحيث لا تعود محجوبة بالباب ولا ملتصقة بالمطبخ، وقالت بصوت صافٍ وصل إلى آخر صف الكراسي: «من الذي يقرر مكاني هنا؟ أنت؟»
جاء السؤال قصيراً كصفعة باردة. لم يكن فيه شرح ولا شكوى، ولهذا ضرب مباشرة. نوفل، الذي كان مرتاحاً في لغة التلميح، اضطر أن يجيب بلغة الحسم أمام الجميع. تردد نصف ثانية، وهذه النصف كانت كافية لالتفات العيون إليه لا إليها. ثم قال: «أنا أنظم دخول الناس اليوم.» قالت من فورها، من غير أن تزيد حرفاً: «تنظم الناس كلهم؟ أو أنا فقط؟»
انشقّ وجه المشهد انشقاقاً صغيراً لكنه واضح. العمة التي كانت تتكلم سكتت وفي يدها فنجان لم يصل إلى فمها. واحد من أعمام رائد خفف جلسته في المجلس الداخلي ونظر من خلال الباب المفتوح. أم نوفل توقفت أخيراً، هذه المرة لأنها سمعت السؤال الثاني لا لأنها رأت سلمى. أما نوفل، فاختار أسوأ ما يمكن لرجل يعتمد على السلطة المستعارة أن يختاره: بالغ. قال بصوت أعلى من اللازم: «أنتِ تحديداً ما تدخلين قبل ما يجي إذن من الكبار.»
العبارة نفسها كشفت العطب. «إذن من الكبار» يعني أن القرار ليس له، ومع ذلك تصرف به منذ وصولها. سقط عنه غطاء التنظيم وبقيت اليد الممدودة إلى ما لا تملك. في تلك اللحظة تماماً دخل رائد من جهة موقف السيارات، من الظل الحار بين السيارات الكبيرة، لا من باب المجلس. كان قد نزع شماغه عن رأسه ووضعه على كتفه، كأنه خرج لتوه من نقاش قطع عليه الوصول. توقف خطوة واحدة فقط حين رأى الحلقة المشدودة عند العتبة، ثم وقعت عيناه على صينية الحلوى المهملة على الطاولة، وعلى سلمى واقفة وحدها، وعلى أخيه الأصغر يتكلم مكانه.
لم يرفع صوته أول الأمر. عبر الفناء بخط مستقيم جعل الواقفين يتزحزحون تلقائياً، لا لأن أحد أمرهم، بل لأن مساره معروف منذ صغره. مر بنوفل كأنه يمر بعامود زرع في غير مكانه، ووقف أمام الطاولة، أخذ صينية الحلوى بيديه، ثم استدار بها نحو الداخل. وحين صار كتفه بمحاذاة كتف سلمى، قال وهو ينظر إلى الكبار لا إلى أخيه: «مين وقفها عند الباب؟»
لم يجب أحد في البداية. السؤال هذه المرة لم يعد سؤال امرأة يُراد تطويقها، بل سؤال صاحب البيت الذي عاد فوجد اسمه يُستعمل ضده. نوفل حاول أن يتقدم نصف خطوة، لكن رائد لم يعطه وجهه بعد. قال نوفل: «أنا فقط كنت أرتب الدخول، واليوم عندنا ناس—» قطع رائد كلامه من غير أن يلتفت: «ترتب باسمي؟»
هنا فقط ظهر الضرر على وجه نوفل. الاحمرار صعد من ياقة ثوبه إلى أذنيه، والناس الذين كانوا قبل دقائق ينظرون إليه انتظاراً للإشارة صاروا ينظرون إلى يديه الفارغتين. أمهم قالت بسرعة: «يا ولدي، الليلة كبيرة، لا—» لكن رائد وضع صينية الحلوى في يد أحد الصغار، خطوة عملية لا تقبل التهدئة، ثم التفت أخيراً إلى سلمى مباشرة أمامهم جميعاً. «سلمى، تعالي.»
كانت الدعوة وحدها كافية لتعديل ميزان الليلة، لكنه لم يتركها نصف جملة. نوفل اندفع بما بقي له من غطاء، وربما لأنه شعر بالأرض تنسحب من تحت قدميه، لجأ إلى الرسمية الجافة التي يهين بها من يظنهم أضعف. قال بصوت مسموع للكبار: «إذا كان في إعلان اليوم، فالأمور لها ترتيب، وما يصير تدخل المجلس كذا قبل ما تُثبت مكانتها.»
تحرك شيء ثقيل في الفناء كله، ليس ضوضاء ولا صمتاً، بل استدارة انتظار نحو رائد. هذا هو الإنكار الأخير، الرسمي، أمام الكبار. لو سكت الآن، ثبتت إهانتها باسم الترتيب. ولو ردّ بردّ لين، بقي لنوفل وجه. سلمى لم تخفض عينيها. كانت واقفة حيث وضعها سؤالها الأول: في وسط الرؤية، لا على طرفها. قالت، قبل أن ينطق أحد غيرها، كلمة واحدة شدت الحبل الأخير: «ثبّتها.»
التفتت الأنظار إليها لأنها هي التي طالبت، لا التي ترجّت. رائد أخذ خطوة نحوها، لا نحو أخيه. رفع يده إلى الستارة الثقيلة عند مدخل المجلس، وسحبها مفتوحة على اتساعها، ثم قال للكبار بصوت لا يحتاج إلى صراخ: «مكانتها ما يثبتها نوفل، ولا ينتظرها أحد عند الباب.» ثم مد يده لسلمى علناً، أمام أمه وأعمامه ونساء العائلة اللواتي اصطففن عند الممر. «هذه ضيفتي أولاً، وخطيبتي أمامكم من الليلة. ومن يوقفها على عتبتي يوقف نفسه خارج قراري.»
وقع الكلام على الوجوه قبل أن يقع على المعنى. عمّه الأكبر نهض من مقعده في الداخل كأن الجلسة استقامت فجأة، وقال: «حيّها الله.» امرأة كانت قد تجاوزت سلمى منذ قليل عادت خطوتين إلى الخلف وفسحت الطريق. بنت العائلة التي أشارت لها إلى زاوية الكرسي البلاستيكي أسرعت تحمل صينية القهوة باتجاهها أولاً هذه المرة. حتى أم نوفل، التي صنعت التجاهل بيديها قبل قليل، مدت كفها إلى صدرها وقالت بلهجة تغيرت في لحظة: «حياك الله يا بنتي.»
أما نوفل، فبقي في مكانه مكشوفاً بطريقة قاسية. لم يعد قادراً على الأمر ولا على التراجع من غير أن يراه الجميع. حاول أن يقول: «أنا كنت أحافظ على—» فقال رائد، من غير أن يرفع نبرته: «أنت تحفظ الباب إذا طُلب منك، ما تحفظ مقام الناس عني.» ثم أشار بيده إشارة صغيرة لكن قاطعة ناحية الخارج، لا طرداً صريحاً يفضح البيت، بل سحباً للسلطة من يده أمام من رأوها تُسحب. كانت تلك الإشارة أوجع من أي صراخ؛ لأنها حولته من صاحب حركة إلى واقف يتلقى الحركة.
أخذت سلمى الخطوة التي كان المطلوب منها أن تعجز عنها منذ وصولها. لم تتشبث بيد رائد طويلاً، فقط لمستها لمسة عبور، ثم دخلت من الستارة المفتوحة إلى حافة المجلس حيث الصف الأول من النساء. هناك، على مرأى من الجميع، وُضع لها المقعد الذي كان محفوظاً لابنة عم بعيدة تأخرت، ووصلها فنجان القهوة قبل ثلاث نساء أكبر منها. لم تقل شكراً بصوت عالٍ، ولم تلتفت لتشفي نفسها بنظرة. هذا وحده جعل الانقلاب أفظع على من حاول كسرها؛ لأن مكانها استقر من غير أن تستعطفه.
وبينما كانت الحركة تعود، لكن على قراءة جديدة، التفتت سلمى عند العتبة نصف التفاتة فقط. نوفل ما زال عند طرف الفناء، فارغ اليدين، يتلقى نظرات الصغار قبل الكبار. قالت له بوضوح يسمعه من يريد أن يسمع: «المرّة الجاية إذا سألتَ عن مكاني، اسأل صاحبه أولاً.» ثم دخلت.
بعد دقائق، عند منعطف ممر الخدمة خلف المجلس، خرجت سلمى تحمل صينية فناجين إلى الداخل. كان الممر ضيقاً قبل قليل، تتدافع فيه الأكتاف والعباءات، والآن انفرج لها من نفسه. مرّت بجانب علبة الطعام الصغيرة التي تركتها على رف جانبي وقد بردت تماماً، وعدلت الصينية بين كفيها. استقرت الأكواب، وتوقف رنينها.