Fast Fiction

الحفرة خذته هو

صفع فهد السبيعي كفّه على مكتب القوائم المعدني حتى ارتجّت الأقلام المربوطة بالسلسلة، ثم أشار بطرف القلم إلى البوابة نصف المفتوحة وقال: «ولا طبليّة تطلع قبل توقيع سالم هنا، وهنا، وهنا.» كانت رافعة الشوكة واقفة وأنفها داخل الممر، والحرّ يطلع من الإسفلت مثل نفس فرن، والعمّال يناظرون بين البوابة والساعة المعلّقة فوق غرفة الاستلام. وقف سالم الحربي عند حافة الرصيف الخلفي، كتفاه مثقلتان من وردية طويلة، وبطاقة الدخول في جيبه طالعة حافتها المهترئة من كثرة السحب. التسليم هذا لو تأخر عشر دقائق دخل في وقت الصلاة وتعطّل خط كامل لموقع من مواقع قطاع الطاقة، لكن فهد كان يتصرف كأن الوقت ملكه وحده.

رفع سالم القائمة من تحت يد فهد، نظر إلى الخانات بسرعة، ثم ردها إلى الطاولة من غير ما يوقّع. كانت التأشيرات موضوعة سلفًا على خانة «مراجعة تغليف نهائي» وعلى خانة «مطابقة أختام التحميل»، وتحتها سطر صغير لم يكن موجودًا في النماذج المعتادة: «المسؤول المباشر عن الإطلاق بعد الفحص المقيّد». خيط رفيع، لكنه مقصود. قال سالم: «الخانتان هذي ما تنحط قبل فتح البوابة بالكامل.» ابتسم فهد ابتسامة قصيرة، فيها إكرام مصطنع وإهانة أضيق من الورق. «اليوم تنحط. وإذا عندك مشكلة، خلّها بعد التسليم. الآن وقّع ووقف هنا.»

من غرفة الاستلام المجاورة، فاحت رائحة قهوة ثقيلة وشاي مغلي. أبو راشد، مراقب التسليم القديم، كان يبدّل نظارته ويخرج قبل أن ينادي المؤذن بدقائق. رجل من طينة لا يحب الكلام الكثير، لكن توقيعه يعلّق الشاحنات ويحرّكها. فهد لمح حركته، فزاد صوته درجة محسوبة، لا لتسمعه الساحة كلّها، بل ليسمعه الرجل الصحيح. «أنت يا سالم آخر واحد يعلّمنا إجراءات. جاي تتعلّم عندنا وتبي تمشي الشغل على مزاجك؟» ثم التفت إلى عامل الرافعة: «ثبّت الطبالي عند الخط الأصفر. لا أحد يمر.»

ما وجع سالم لم يكن الصوت. الوجع جاء من الاسم الذي لم يذكره فهد وعلّقه في الجوّ. ابن خال ميس يشتغل في نفس المجمّع، والعائلة والأصدقاء يعرفون أن سالم متقدم رسميًا، وأن أي كلمة عن «عدم أمانة» أو «تعطيل» لن تبقى داخل السور الخلفي. فهد يعرف هذا، ويحبّ دائمًا أن يمدّ سلطته خارج الدوام، إلى المجالس والغداوي والزيارات، كأنه وكيل عن كرامة الناس. قبل أسبوعين فقط، قال لسالم عند مصعد الإدارة، والزجاج الملطخ ببصمات الأيدي يعكسهما معًا: «الرجال يُعرف من توصية مديره قبل ما يُعرف من بيته.» لم ينسها سالم، لكنه لم يرد عليها. اليوم الردّ لم يكن كلامًا.

خرج أبو راشد إلى الرصيف وهو يمسح يده بمنديل ورقي. عينه ذهبت أولًا إلى البوابة، ثم إلى القوائم، ثم إلى الطبالي المربوطة بأحزمة زرقاء. فهد تقدّم نحوه بنصف خطوة، وبالصوت نفسه الذي يتكلم به مع كبار الزوار: «أبو راشد، نحتاجك شاهد على الإجراء. الرجال متردد يوقّع.» مدّ له القائمة من طرفها العلوي، بحيث تظهر الخانات المعلّمة تحت اسم سالم، لا تحت اسمه هو. هذه كانت الضربة المرئية التي أرادها: إذا تعطلت الحمولة، فالفشل على الورق جاهز.

أخذ أبو راشد القائمة من غير استعجال. سالم رأى إبهام الرجل يقف لحظة عند السطر المضاف. فهد لم ينتبه؛ كان مشغولًا بتضييق الدائرة. قال وهو يضغط القلم في يد سالم: «وقع أولًا في خانة الفحص المقيّد، بعدها ما تتحرك من مكانك لين تطابق العدّ، بعدها توقع الإطلاق. أي فرق، أي تأخير، أي فتح قبل تسلسلك هذا... عليك.» ثم أشار بسبابته إلى الأرض أمام مكتب القوائم. «وهنا. تبقى هنا قدامي. لا تلف على البوابة ولا تكلم السائق.»

أمسك سالم القلم، ولم يعطه فهد الوقت ليتراجع. هذا كان أول تجاوز زائد عن حاجته؛ أراد أن يثبّت الحركة أمام الشاهد. انحنى سالم على الطاولة المعدنية، وقرأ السطر كاملًا بصوت منخفض لكنه مسموع: «المسؤول المباشر عن الإطلاق بعد الفحص المقيّد هو محرر القيد.» رفع عينه. «اسم محرر القيد هنا منو؟» قال فهد بسرعة، كأنه يقص جناح ذبابة: «إجراء إداري، وقع أنت.» لكن أبو راشد مدّ يده وقال: «خلّني أشوف.»

انقلبت الورقة نصف قلبة تحت أصابع أبو راشد، وظهر أعلى الصفحة. هناك، في خانة الإصدار الصغيرة المطبوعة بخط باهت، اسم فهد السبيعي وتوقيته وختمه. الشيء نفسه الذي أراد أن يدفنه في صغار السطور صار الآن في رأس الورقة. سكت العامل عند الرافعة قبل أن يلمس ذراع الرفع، وبقيت الشوكتان محشورتين تحت طبليّة مكشوف طرفها. قال أبو راشد من غير ما يرفع صوته: «إذا هذا فحص مقيّد، الإطلاق يتوقف على محرر القيد. ليش مسويها على سالم؟»

تغير وجه فهد بطريقة صغيرة لكن واضحة؛ ليست حمرة غضب، بل تلك اليابسة التي تضرب الشفاه حين يضيق المخرج. حاول يضحك، لم تخرج الضحكة كاملة. «لا تكبّرها، يا أبو راشد. هو يطابق وأنا أطلق. نفس الشي.» قال سالم: «مو نفس الشي. إذا أنا أوقع تحت الفحص المقيّد، ما أقدر أتحرك من الخط حسب أمرك. وإذا ما تحركت، ما أقدر أطابق الأختام عند رأس الطبالي. وإذا ما طابقت، ما فيه إطلاق. والإطلاق باسم محرر القيد.» لم يرفع نبرته، فقط وضع القلم بجانب الورقة كأن المسألة ميزان وليس خصومة.

من آخر الممر، أطل السائق برأسه من نافذة الشاحنة، ثم أنزله مرة ثانية حين شاف البوابة ما زالت على نصفها. المؤذن بدأ بصوت بعيد من مسجد المحطة القريبة، فانكمش الوقت فجأة وصار لكل دقيقة وزن واضح. فهد شعر به قبل غيره. لو تأخر التسليم دخلت ملاحظة على القسم، ولو دخلت الملاحظة واسم أبو راشد تحتها، ما عاد يقدر يغطيها بضحكة مجلس. لذلك شدّ أكثر، وهذا كان الخطأ الثاني. قال بحدّة: «تمام. نقفلها رسمي. سالم، توقع الآن على الفحص المقيّد وتلتزم مكانك. وأنا أتحمل الإطلاق. أبيها كذا قدام الشاهد.»

هذه المرة، هو الذي أقفل الباب على نفسه. وقّع سالم في خانة الفحص المقيّد كما طُلب، ووقف مكانه عند الخط الأصفر فعلًا، لا خطوة زيادة. رفع يديه عن الطاولة. «تم.» ثم قال لعامل الرافعة: «لا ترفع.» العامل نظر إلى فهد. قال فهد: «ارفع.» قال سالم مباشرة، وهو يشير إلى السطر: «الإطلاق متوقف على محرر القيد بعد المطابقة. وأنا حسب الإجراء المقيّد ما أغادر موقعي. ما تمت مطابقة الأختام. البوابة تظل مقفلة.» كانت الجملة بسيطة، لكنها نزلت على الرصيف مثل مسمار. الرافعة لم تتحرك.

مدّ أبو راشد يده إلى زرّ تحرير البوابة المثبّت داخل صندوق جانبي صغير، ثم سحبها قبل أن يلمسه. «صحيح. ما أفتح وأنا عندي فحص مقيّد ناقص ومحرر القيد حاضر.» الآن لم تعد المشكلة كلامًا بين موظفَين؛ صارت البوابة نفسها شاهدة. نصفها مفتوح، نصفها مغلق، والطبالي محبوسة عند الخط الأصفر، والسائق يطالع من بعيد، وعرق فهد يرسم خطًا داكنًا تحت ياقة ثوبه عند العنق.

قال فهد: «أنا قلت أتحملها.» قال أبو راشد: «التحمل مو كلام. أكمل الإجراء باسمك.» دفع إليه القائمة. لم يمد فهد يده فورًا. كان يعرف أن السطر الذي زرعه ليخنق سالم سيجبره الآن على الدخول باسمه هو، ومعه خانة الملاحظات التي لا يحبها أحد. التفّ قليلًا نحو سالم، وكأنه يدور على ثغرة شخصية يخرج منها، وقال بنبرة أخفض: «لا تستعرض. الشغل يمشي بين رجال.» لم يرد سالم. بقي واقفًا حيث حبسه فهد بنفسه، كأنه وتد. ثقل الوردية بدا في انحناءة أكمامه، لكن ثباته كان أنظف من ثوب فهد المكوي.

جاءت ميس من طرف الممر الداخلي تحمل ملفًا بنيًا صغيرًا، توقفت عند عتبة غرفة الاستلام حين رأت الوقفة. لم تتدخل، فقط ثبتت الملف على صدرها. وجودها وحده شدّ المعنى في صدر فهد؛ ليس لأنها ستقول شيئًا، بل لأن العائلة والأصدقاء يعرفون، ولأن الإهانة إذا صارت في عمل يراه الناس تكبر في المجالس من غير حاجة إلى شرح. لمحها فهد، فازداد استعجاله. «أبو راشد، عطنا الورقة وأنا أوقع الإطلاق ونخلص.»

قال أبو راشد: «قبل الإطلاق، خانة المطابقة النهائية. بنفسك. بما أنك محرر القيد، وبما أنك منعت الرجل يتحرك.» مدّ القلم. يد فهد نزلت إلى الورقة ثم توقفت. كل خانة كان قد حوّلها إلى فخ على سالم صارت تسأله الآن شيئًا لا يستطيع الهرب منه: هل طابقت فعلًا؟ لا. هل تفتح من غير مطابقة؟ إذا فتح، انكتب عليه. إذا لم يفتح، تأخر التسليم بسبب القيد الذي أصدره. أخذ القلم أخيرًا، وشخّط توقيعه عند خانة المطابقة على عجلة، ثم مدّ يده للزر.

لكن أبو راشد لم يفتح البوابة. نظر إلى التوقيع، ثم إلى التأشيرات السابقة الموضوعة قبل أوانها. «هذي الخانتان، من علّمها قبل التنفيذ؟» سأل السؤال وهو يعرف الجواب، لكن الورقة هي التي أرادها أن تنطق. قال فهد: «علامات تجهيز.» قال سالم: «مو مكتوب تجهيز. مكتوب تم.» كانت كلمة واحدة، قصيرة، وقطعت له آخر مساحة للمراوغة. لأن التأشير المسبق على خانة «تم» مع توقيع محرر القيد تحت الإطلاق ليس زلّة لسان؛ هو أثر مكتوب.

سحب أبو راشد نفسًا واحدًا، ثم نادى من داخل الغرفة: «هات دفتر التعليق.» لم يحتج إلى صراخ. الشاب الذي في الداخل أحضر الدفتر فورًا ووضعه على طاولة القوائم. هنا بدأ الضرر يصير مرئيًا. لم يعد الأمر تأخير شاحنة فقط؛ صار تعليق صلاحية إطلاق إلى حين مراجعة صاحب القيد. فهد مد يده إلى الورقة يريد يسحبها، لكن سالم كان أسرع هذه المرة، لا بعنف، بل بحركة نظيفة. أخذ القائمة من تحت أصابع الرجل، سوّاها بكفّه، ولفّها نصف لفة حتى صارت الخانات المعلّمة والتوقيعات في وجه أبي راشد مباشرة.

قال فهد: «وش تسوي؟» قال سالم: «أرجعها لصاحب الصلاحية.» وتقدّم خطوة واحدة فقط، هي الخطوة التي لم يسمح له بها قبل دقائق. وضع القائمة على دفتر التعليق المفتوح، فوق السطر الخالي المعد للاعتراف الأخير. بإبهامه ثبت أعلى الورقة، وبيده الأخرى أدارها قليلًا بحيث تنقلب العلامات المسبقة إلى جهة اليسار وتظهر متتابعة: تم، تم، ثم توقيع محرر القيد تحت الإطلاق الناقص. أثر مقروء، لا يحتاج أحد يفسره. «اعتماد المالك على القيد، يا أبو راشد.»

حدّق أبو راشد في الصفحة، ثم مدّ يده إلى خاتمه الإداري الصغير، ذلك الذي لا يخرج إلا عند الوقف. لم ينظر إلى فهد وهو يضع الختم على خانة التعليق. في اللحظة نفسها، أطفأ زرّ السماح الأخضر على صندوق البوابة وبقي الأحمر وحده شغّالًا. السائق أنزل رأسه من النافذة تمامًا. عامل الرافعة رجع ذراع التحريك إلى الخلف ببطء، وخرجت الشوكتان من تحت الطبليّة بصوت حديد محكوك. لم يعد لفهد حق أمرٍ واحد في الممر.

حاول فهد أن يقترب من الطاولة، لكن أبو راشد رفع كفه من غير أن يلمسه. إشارة صغيرة، رسمية، وفيها مسافة لا تخطئها العين. تلك هي الإهانة التي يخشاها رجال مثله: ليس صراخًا، بل أن يُردّ عن المكتب الذي كان يضرب عليه قبل قليل، وأن يصير وجوده خارج دائرة الدعوة. من العتبة، بقيت ميس واقفة بملفها، لم تتكلم، لكنها لم تُنزِل عينيها. فهد فتح فمه ليقول شيئًا عن سوء فهم، عن استعجال، عن نموذج قديم، ثم ابتلع الجملة حين رأى الختم بجانب اسمه.

أخذ سالم القلم المربوط بالسلسلة، وضعه في مكانه، ثم سحب القائمة المزوّرة قليلًا إلى منتصف مكتب القوائم، أمام خانة «إقرار صاحب القيد». كانت التأشيرات التي غرسها فهد أول النهار قد انقلبت الآن بوضوح في وجهه، مصطفّة ومقروءة على الورق تحت الضوء الأبيض، والبوابة الحمراء خلفها مغلقة. ثم زحزحها سالم أكثر نحو أبو راشد لاعتماد صاحب الصلاحية، وتركها هناك.