Fast Fiction

ما تحرك إلا بها

صرخ عامل البوابة: «الشاحنة الرابعة على الرصيف الثاني! مين عطاها إذن؟» وكانت ثلاث شاحنات تقف خلفها في حر ظهيرة الرياض، محركاتها ترجرج الهواء الحار، بينما سالم جالس على كرسي التشغيل أمام لوحة التحويل، واضعًا بطاقة الدخول الخاصة بمها في درج مكتبه كأنها غرض من غرضه. رفعت مها يدها نحوه من طرف الساحة وقالت ببرود: «الخط هذا للمضخات، مو للأنابيب.» لم يلتفت. أشار لسائق آخر أن يتقدم، فانسد الممر بين الرصيفين وصار خروج الرافعة مستحيلًا.

على طرف الجدار، قرب كرسي بلاستيكي متشقق، كانت علبة طعامها مفتوحة على نصف سندويتش بارد وعلبة لبن دافئة من طول ما تُركت. أخذت نفسًا قصيرًا، ومشت مباشرة إلى نافذة التشغيل. سالم مد يده يمنعها من الاقتراب، وفي نبرته تعالٍ متعمد يسمعه السائقون: «أنتِ اليوم متابعة فقط. أبو راشد قال أجرب الترتيب بنفسي.» سقطت الجملة في الساحة أسوأ من الحديد. متابعة فقط، وهي التي تدير التحويل منذ ثمانية أشهر كلما امتلأت طلبات قطاع الطاقة قبل الصلاة.

قالت: «إذا عكست مسار الرصيف الثاني، يوقف عليك خط الظهر كله.» هز كتفه دون أن ينظر إليها. «أنا فاهم الشغل. روحي شوفي أوراق السواقين.»

كان مندوب العميل، فهد، واقفًا تحت ظل سيارة بيضاء عند حافة الساحة، لا يشارك في الفوضى لكن يراها كلها. مها عرفته فورًا؛ ليس فقط لأنه مندوب الحساب الأثقل هذا الأسبوع، بل لأن أخاه الأكبر حضر قبل شهرين مع عمها جلسة تعارف أولى. العائلة والأصدقاء يعرفون أن الأمر في طريقه إلى موافقة العائلة، ولم يكن ناقصها أن يراها الناس مزاحة من مكانها على يد رجل لا يعرف نصف الساحة. رفعت ذقنها قليلًا، لا دفاعًا عن نفسها، بل عن العمل. قالت بصوت أعلى هذه المرة: «سالم، حرّك الشاحنة الثالثة للخلف الآن. إذا نزلت الثانية قبلها، الرافعة تنحشر.»

رد عليها وهو يفتح درج المكتب ويخرج ملفًا بنيًا يعبث بغلافه اليابس بصوت ورق جاف: «قلت لك لا تدخلي. إذا صار شيء أنا المسؤول.»

صار شيء، بسرعة مهينة. السائق الذي وجهه سالم إلى الرصيف الخاطئ أطفأ المحرك وانتظر إشارة التنزيل، ثم اكتشف العمال أن الحمولة لا تخص ذلك الخط أصلًا. تأخروا دقيقتين، ثم خمسًا، ثم توقفت الرافعة لأن الممر ضاق أكثر من اللازم. سائق في الخلف نزل من شاحنته وضرب الباب براحته. آخر خرج يلوّح بورقة إذن الدخول. عامل المخزن ركض بينهما وهو يكرر أسماء طلبات لا أحد يسمعها. فهد ترك ظل السيارة وتقدم خطوتين، لا أكثر، لكنهما كانتا كافيتين لتصير الفوضى لها شاهد.

قالت مها للعامل الواقف قربها: «افتح المسار الخلفي.» التفت العامل إلى سالم أولًا. قال سالم بحدة: «لا أحد يفتح شيء إلا بأمري.»

توقفت مها لحظة. هذه كانت الضربة الأولى الواضحة: ليس فقط أنه أخذ كرسيها، بل سد عليها حتى أمرًا شفهيًا يعرف كل من في الساحة أنه منها عادة. نظرت إلى درج مكتبه المفتوح نصف فتحة، لمحت طرف بطاقة الدخول وسلسلة المفاتيح الرئيسية فوقها، مفاتيح الرصيفين والمخزن الجانبي وخزانة العهدة. أخذها صباحًا بحجة «تنظيم التسليم». كان ذلك قبل أن يصل أبو راشد للصلاة ويترك الساحة لسالم كأنه يورثه شيئًا يجهله.

دوى بوق شاحنة جديدة عند البوابة. صاح الحارس: «حمولة عاجلة لموقع الخرج!» التفتت الرؤوس كلها. سالم رفع يده في الهواء مرتبكًا، طلب من الرصيف الأول أن يستقبلها مع أنه ما زال مشغولًا بحمولة سابقة. سائق الرصيف الأول أشار بيديه معترضًا، ولم يسمعه أحد. تقدمت الشاحنة العاجلة نصف متر، ثم توقفت، وبعدها توقفت التي خلفها، وبعدها صار الطابور يزحف حتى خرج بعضه إلى الطريق الجانبي.

قال فهد من بعيد، بصوت محسوب لكنه مسموع: «إذا تأخرت حمولة الخرج أكثر، أرفعها للإدارة عندنا.»

لم تلتفت مها إليه. التفتت إلى الساحة كلها. ثم مدت يدها داخل فتحة النافذة، سحبت درج المكتب حتى نهايته، وأخذت بطاقة الدخول ولوحة النداء المحمولة وسلسلة المفاتيح دفعة واحدة. صوت الحديد اصطك في يدها. سالم نهض من كرسيه كأن أحدهم شدّه من الظهر. قال: «رجّعيها. من سمح لك؟» قالت وهي تتحرك لا نحوه بل إلى حافة الرصيف: «الساحة سمحت.»

رفعت لوحة النداء بيد، وأشارت بالأخرى بحركات قصيرة حادة. «الثالثة ترجع خطوتين. الأولى تثبت. حمولة الخرج على المسار الخلفي، افتحوا الباب الجانبي. يا ناصر، الرافعة الصغيرة للمضخات الآن، مو الكبيرة. والرابع يلف من وراء المخزن، لا يدخل بين الرصيفين.» كانت الأوامر تخرج متتابعة كأنها أصل المكان. تردد السائقون ثانية واحدة فقط، ثم تحرك الأول، ثم الثاني، ثم فتح العامل الباب الجانبي لأنه سمع اسمَه لا صراخًا عامًا. انفرج الممر مقدار ذراع، ثم ذراعين، وخرجت الرافعة من اختناقها. عجلاتها أصدرت صريرًا طويلًا ثم مضت. هذا وحده بدّل وجه الساحة.

سالم نزل من المنصة ولحق بها. «قلت لك اتركي اللوحة.» لم تنظر له. «إذا عندك اعتراض، وقف الشاحنات بنفسك.» مد يده ليأخذ لوحة النداء، فانسحب سلكها من بين أصابعه لأنه لم يعرف أي زر يثبّت الخط المفتوح وأي زر يبدل القناة. انقطع صوته في صفير قصير سمعه الجميع. لم ترفع مها صوتها لتغلبه؛ فقط ضغطت الزر الصحيح من فوق يده وقالت: «يا بوابة، أدخلوا حمولة الخرج الآن.»

دخلت الشاحنة العاجلة على المسار الخلفي ومرّت حيث قال سالم قبل دقائق إنه لا يُفتح إلا بأمره. وقف عاملان قرب الرصيف الثاني يتبادلان نظرة سريعة، ثم تحركا إلى ما أشارت به مها من غير أن يرجعا لسالم. حتى فهد، الذي كان يمسك هاتفه قبل قليل، أنزله ونقل وقفته أقرب إلى ظل المستودع، كأن المشهد تغيّر محورُه فجأة. أول مكسب جاء واضحًا: لم تعد واقفة عند الركن، بل عادت الساحة تنصت لها.

لكن سالم لم يبتلع الضربة. رجع إلى المنصة، انتزع سجل التحويل الورقي من الحامل، وصفقه على الطاولة. «تمام. خليها تمشي الآن. بس الحمولة القادمة للرصيف الثاني، هذا قرار الإدارة.» ثم صاح للسائق الجديد أن يتقدم من المدخل الضيق نفسه الذي فكّته مها لتوها. كان يحاول استرداد الأمر بطريقة تبدو نظامية، لا ذكية. الشاحنة استجابت لإشارته، ودخلت زاويتها الخطأ، ومعها سيارة صغيرة لمراقب السلامة جاءت في أسوأ لحظة ممكنة. اختنق الممر مرة أخرى، أسرع هذه المرة، لأن الرصيف الثالث كان قد بدأ تنزيلًا ثقيلًا يحتاج مساحة التفاف.

قالت مها من تحت الشمس بلا استعجال: «لو دخلت هذي الآن، تتعطل عليك الرافعتان معًا.» قال سالم للسائق: «كمل.» كمل السائق مترًا واحدًا فقط. ثم صرخ عامل الرافعة: «حبستني! ما أقدر ألف!»

صوت أذان الظهر بدأ من مسجد قريب، خفيفًا أولًا ثم امتلأ في الهواء. معه تغيّر ضغط الوقت. في هذا التوقيت بالذات، التأخير لا يبقى تأخير ساحة فقط؛ يصير تأخير تسليمات، وتأخير خروج ناس إلى الصلاة، وتأخير وجوه تُسأل بعد ذلك في مكاتب باردة: من عطل؟ أبو راشد عاد من جهة المواقف، يسوّي غترته بيد ويقرأ المشهد بيد أخرى. لم يحتج أحد إلى شرح. رأى الشاحنات المتراكمة، والرافعة المحبوسة، وسالم واقفًا عند منصة التشغيل كمن يتشاجر مع آلة لا تطيعه، ومها في قلب الدوران والكل يلتقط أوامره منها.

اقترب أبو راشد وقال لسالم بصوت منخفض لا يخفيه: «حلها.» فتح سالم فمه، أغلقه، ثم قال: «هي دخلت بين الصلاحيات وشوشت السواقين.» في اللحظة نفسها خرج من مكتب البوابة اتصال على السماعة الداخلية: «موقع الخرج يقول إذا ما خرجت الحمولة الآن، الشكوى تروح للمجموعة.» لم يعد في الجملة مكان للاعتذار.

مد أبو راشد يده إلى سالم، لا للكلام بل لشيء واحد محدد. «المفاتيح. ولوحة النداء.» تجمدت يد سالم عند السلسلة المعلقة من إصبع مها. نظر حوله كأن يبحث عن شاهد يخفف عنه، فلم يجد إلا السائقين ينظرون إلى الرصيف، وفهد ينظر إلى الساعة، وعامل البوابة يثبت الباب مفتوحًا منتظرًا قرارًا واحدًا فقط. قال سالم: «أنا أقدر—» قاطعه أبو راشد هذه المرة بحدة يندر أن يخرج بها: «المفاتيح.»

مد سالم يده ببطء. لم تكن السلسلة معه أصلًا، كانت في يد مها منذ سحبتها من الدرج، وهذا جعل الموقف أغلظ. صار عليه أن يأخذ لوحة النداء من الطاولة التي فشل عليها قبل دقائق، ويسلمها بنفسه. انتزعها من الحامل، ومدها نحوها أمامهم كلهم. اضطر أن يضيف: «خذيها... وكملي التحويل.» لم تشكره. أخذتها فقط، ولفت الشريط حول كفها حتى ثبتت. ثم أشارت لسالم دون أن ترفع عينيها إليه: «قف عند المدخل الضيق. لا تدخل سيارة واحدة حتى أقول لك.»

كان في الأمر إهانة عملية صافية؛ الرجل الذي أبعدها عن الكرسي صار يوقف المركبات بإشارة منها كعامل تنظيم مؤقت. ومع ذلك امتثل، لأن الشاحنة العاجلة ما زالت تنتظر، والعميل يسمع، وأبو راشد لم يعد يترك له مسافة يختبئ فيها بالكلام.

رفعت مها اللوحة إلى فمها. «الرافعة الصغيرة تخرج أولًا. الرصيف الثالث يفرغ نصف الحمولة فقط، والباقي بعد الصلاة. حمولة الخرج على الرصيف الجانبي حالًا. يا ناصر، خذ السائق الأبيض من الخلف. يا بوابة، اقفلوا دخول الدفعة الجديدة ثلاث دقائق.» تحركت الساحة كلها دفعة واحدة، لا بعنف بل بانسياب قاسٍ، كأنها كانت تنتظر إصبعًا صحيحًا على النبض. الشاحنة المحبوسة رجعت نصف متر، انفتحت زاوية الالتفاف، خرجت الرافعة الأولى، عبرت الثانية، ثم دخلت حمولة الخرج إلى مكانها كأنها كانت تعرف الطريق من قبل. فهد رفع هاتفه، لا ليشتكي هذه المرة، بل ليلتقط رقم الإرسالية من الزجاج الأمامي ويرسله. حتى السائق الذي كان يضرب باب شاحنته قبل قليل عاد إلى مقعده صامتًا، وقد عرف من يتبع.

حاول سالم أن يتدخل مرة أخيرة. أشار للشاحنة السادسة أن تقترب قبل أن ينتهي المسار الجانبي من التفريغ. التفتت إليه مها مباشرة، لأول مرة منذ استولت على اللوحة. قالت بصوت سمعه القريب والبعيد: «ترجع مكانك.» توقف السائق بين الإشارتين. أضافت، واللوحة بيدها: «إذا تحركت قبل أمري، تتحمل أنت إقفال الخط كله.» أنزل سالم يده. هذه المرة لم يحاول أحد أن ينقذه من شكله. لا كلام، لا تفسير، فقط يد هبطت أمام السائقين والموظفين ومندوب العميل. كان ذلك سقوطه الحقيقي، لا حين فشل، بل حين عرف هو والناس أن تدخله صار خطرًا.

بعد سبع دقائق فقط، خرجت حمولة الخرج من البوابة، ولحق بها مسار المضخات، وانفك الرصيف الثاني على ترتيب جديد كتبته مها في السجل بخط سريع مستقيم. أبو راشد وقف عند المنصة، لم يقل جملة كبيرة، فقط سحب كرسي التشغيل بقدمه قليلًا إلى الخلف، ونظر إلى سالم: «من اليوم، مناوبة التحويل عند مها. وإذا احتجت شيئًا، تأخذ توجيهك منها في الساحة.» لم يكن إعلانًا للاعتبار. كان أمر تشغيل. وهذا هو الذي وجع.

وضعت مها لوحة النداء في حاملها، ثم مدت يدها إلى بطاقة الدخول، علقتها في جيب سترتها مكانها المعتاد. أخذت سجل التحويل من أمام سالم، وفتحته على الصفحة الجارية، ثم ناولته القلم دون أن تنظر إلى وجهه. «اكتب أوقات التأخير كما هي. لا تنقص دقيقة.» أخذ القلم وكتب واقفًا. بقي هو واقفًا، وجلست هي على كرسي التشغيل الذي أُبعدت عنه أول النهار. خلف الزجاج، كانت الشاحنات تدخل على الوتيرة التي تحددها هي، لا التي يدّعيها غيرها.

حين خفّ الضغط إلى الحد الذي يسمح بثلاث أنفاس فقط، مشت مها إلى طرف الساحة قرب الخزانة المعدنية المثبتة عند حافة الرصيف. أخرجت السلسلة الثقيلة من يدها، علقت المفاتيح الرئيسية في مسمارها المخصص داخل خزانة المفاتيح، وأغلقت الباب. ارتجفت المفاتيح لحظة، ثم سكنت.