المهارة الحقيقية ظهرت #2
أزاح فارس حقيبة الأدوات من على طاولة العرض وقال للفني: «خليها هناك، هي اليوم متابعة فقط.» ثم أشار بذقنه إلى زاوية ضيقة عند جناح الستارة السوداء، حيث كرسي بلاستيكي رخيص بجانب طاولة قهوة ترك عليها أحدهم كوب شاي برد حتى تشكل على سطحه جلد خفيف وحلقة بنية على الخشب اللامع.
وقفت سلمى النعيمي لحظة عند إطار الباب نصف المفتوح المؤدي إلى منصة العرض، يدها على الحقيبة التي تحمل خدشًا قديمًا من قلمها الأزرق. هذا الجناح في مؤتمر قطاع الطاقة بالرياض لم يكن مجرد جناح؛ كان الجهاز الذي صممته على مدى سبعة أشهر، وخرائط الأعطال التي رتبتها بنفسها، والحالة الحية التي اختارتها بنفسها لأن فيها عطبًا مخادعًا لا ينكشف إلا لمن يعرف كيف يسمع صمت الحساس قبل أن يقرأ أرقامه. لكن فارس السبيعي، ببشته الخفيف فوق الثوب وبابتسامته المعدة للضيوف، وقف في موضعها عند طاولة التشخيص كأنه صاحب الاختراع لا صاحب الاسم فقط.
في الصف الأمامي جلس أبو فارس مع اثنين من رجال شركة شريكة، وعلى طرف المجلس المصغر قرب المنصة كانت مها، ابنة خالة سلمى، تراقب بوجه مشدود. العائلة والأصدقاء يعرفون أن هناك مشروع ارتباط معلقًا بين سلمى وفارس منذ شهور، وأن كل خطوة بينهما تُحسب مرتين: مرة في البيت، ومرة في السوق. لذلك لم يكن إذلالها مهنيًا فقط؛ كان ترتيبًا علنيًا للمكانة. فارس أخذ موضع العرض. وسلمى دُفعت إلى كرسي الانتظار، كأنها ضيفة وصلت خطأ إلى مكان عملها.
قال لها بصوت منخفض يكفي ليُسمع من حوله: «لا تكبّرين الموضوع. اليوم أسماء كبيرة موجودة، والواجهة تحتاج واحد يعرف يتكلم.» ثم التفت إلى الضيوف، يفتح يديه على الشاشة المضيئة: «النظام بسيط جدًا. أي قراءة شاذة نلتقطها فورًا.»
رفع الفني لوحة الجهاز اللوحي إليه بتردد. ظهر على الشاشة مسار الحساسات، وعداد العد التنازلي للعرض الحي يتناقص: ثلاثون ثانية. من المنصة الرئيسية القريبة انساب صوت المذيع وهو يعلن انتقال الحضور إلى جناح الشركة بعد دقائق قليلة، ومع الأذان البعيد لصلاة المغرب صار الوقت ضيقًا على نحو يضغط الأعصاب. سلمى رأت من مكانها أن القناة الثالثة تومض باللون الكهرماني، ومستشعر الضغط في الوحدة التجريبية يعيد صفرًا غير منطقي. هذا ليس عطل عرض؛ هذا انسداد في مسار التزامن. لو دخل العرض بهذه القراءة سيتجمد التدفق أمام الضيوف.
مدت يدها من طرف الكرسي وقالت للفني: «أوقف المزامنة الآلية الآن.»
فارس لم يلتفت إليها. أخذ الجهاز اللوحي من يد الفني، وضغط على زر بدء التسلسل التجريبي. على الشاشة، دارت المؤشرات ثانيتين ثم توقفت دفعة واحدة. خط التدفق الذي يفترض أن يتحرك عبر المخطط ثبت مكانه، وظهر تنبيه أحمر: تعارض مرجعي — الحساس 3 خارج نطاق المعايرة. في اللحظة نفسها أطلقت الوحدة التجريبية صفيرًا قصيرًا متقطعًا، ثم انطفأ شريط الحالة الأخضر فوق الطاولة.
وصل أول الضيوف إلى حافة الجناح قبل أن يختفي التنبيه. أحدهم خفف سرعته، والآخر وقف وراءه يطالع الشاشة مباشرة. حاول فارس أن يبتسم وهو يضغط إلغاء ثم إعادة تشغيل. عاد الخط الأحمر نفسه، ثم تبعه تنبيه آخر أصغر: فشل مطابقة السجل المرجعي. الفني نقل وزنه من قدم إلى أخرى، ويده ما زالت معلقة في الهواء كأنه ينتظر أمرًا لا يثق بمن يعطيه. مها التفتت إلى سلمى لا إلى فارس. تلك كانت أول شرخة صغيرة، مادية، مرئية: الشخص الوحيد الذي لم يندفع نحو الشاشة المعلقة كان صاحب العرض نفسه.
قالت سلمى من مكانها، بهدوء أشد مما يحب: «إذا أعدته مرة ثالثة، يقفل عليك سجل القراءة الحية.»
رمقها فارس بنظرة حادة، ثم قال أمام الضيوف: «هي تعرف الجانب التحضيري، لكن الميدان غير. لا تتدخلين الآن.» ومع ذلك ضغط المحاولة الثالثة، كأنه يريد أن يهزم الشاشة بإرادته. انطفأ شريط الحالة تمامًا هذه المرة، وظهرت نافذة تطلب صلاحية المالك لإعادة فتح قناة التشخيص اليدوي.
تقدم الدكتور هشام، المستشار الذي استدعته الشركة لمرافقة العرض، وقال بقلق حاول ستره باللباقة: «نحن على الهواء بعد أقل من دقيقة. من يملك صلاحية الفتح؟»
أجاب فارس بسرعة: «أنا.» لكنه حين لمس خانة الدخول تجمدت النافذة على طلب مفتاح المصادقة الخاص بالحالة الأصلية. ارتبكت أصابعه لحظة قصيرة، صغيرة، لكنها كانت كافية لتُرى. حاول إدخال رمز من ذاكرته. رفضه النظام. أعاد المحاولة برمز ثانٍ. رفضه مرة أخرى.
عندها وقفت سلمى. لم ترفع صوتها، ولم تطلب إذنًا من أحد. فقط حملت حقيبتها من قرب الكرسي البلاستيكي، مشت حتى طاولة التشخيص، وتوقفت على مسافة تحفظ الشكل أمام الكبار. قالت للدكتور هشام، لا لفارس: «مفتاح الحالة الأصلية على ملف الإعداد الذي أنشأته أنا. إذا أردتم فتح التشخيص اليدوي الآن، أبعدوا يده عن الشاشة.»
كان هذا الطلب بسيطًا، لكنه شق المكان نصفين. الدكتور هشام نظر إلى أبي فارس أولًا بحكم السن، وأبو فارس لم يجد ما يحمي به المشهد سوى الصمت الثقيل. تراجع الفني خطوة صغيرة. أما فارس فشد فكه وقال: «لا تعطونها المشهد بسبب عطل بسيط.»
لم تجبه. مدت إصبعها فقط إلى أسفل يسار الشاشة، إلى أيقونة صغيرة تجاهلها فارس ثلاث مرات لأنها لا تظهر إلا عند تعارض المرجع مع معايرة الحساس، وضغطت ضغطة واحدة. انفتحت نافذة فرعية بعنوان: مطابقة مرجعية يدوية. سحبت شريط القناة الثالثة إلى القراءة الخام بدل القراءة المصححة، ثم أمرت بإظهار النبض المباشر للحساسات. في أقل من ثانية انكشف على الشاشة فرق واضح: القناة الثالثة لا تعطي ضغطًا صفرًا؛ كانت تعطي نبضة مرتدة متقطعة، بينما مصحح الإزاحة المثبت في إعدادات فارس يسحقها إلى صفر كاذب.
لم تقل شيئًا. الشاشة قالت كل شيء. النبض الخام يهتز أمامهم بوضوح، وخانة «تصحيح الإزاحة» مضبوطة على قيمة غير مسموح بها في هذا الطراز. الفني شهق شهقة صغيرة ثم ابتلعها. أحد الضيوف انحنى بجسمه إلى الأمام ليرى أفضل. فارس مد يده نحو الجهاز اللوحي كمن يريد أن يغلق النافذة، لكن الدكتور هشام أوقفه بظهر كفه دون كلام.
لم تترك لهم وقتًا يعودون فيه إلى الكلام المريح. ضغطت سلمى على سجل الصيانة المقترن بالحالة. انسدل على الشاشة شريط زمني قصير، فيه ثلاثة إدخالات فقط، مقروءة من بعيد: تحذير سابق من انحراف مرجعي — أرسلت بواسطة سلمى النعيمي. تم التجاهل. تعديل يدوي لقيمة الإزاحة — تم بواسطة حساب فارس. تكرار فشل المطابقة في جلسة تجريبية سابقة — أغلقت دون تصعيد. كان الماضي المدفون معروضًا الآن كأنه سطر عادي في النظام، لا يحتاج شهادة ولا حكاية.
التفتت مها هذه المرة نحو أبي فارس، لا نحو سلمى، وارتفع حاجبا الرجل الكبير ببطء جاف. هذا أخطر ما في الشهود الكبار: لا يصرخون حين تنكسر الهالة، لكنهم يغيّرون جلستهم. أبو فارس كان جالسًا مستريحًا كمن جاء ليشهد نجاح ابنه، ثم استقام ظهره وابتعدت يده عن فنجان القهوة أمامه. فارس حاول أخيرًا أن يصنع رواية سريعة فقال: «التعديل كان مؤقتًا في بروفة سابقة، والملف لم يُحدّث فقط.»
سلمى سحبت نافذة الصيانة إلى جانب الرسم الحي بحيث يظهران معًا على الشاشة نفسها، ثم قالت أول جملة وجهتها إليه منذ بدأت: «لو كنت تعرف الفرق بين النبض الخام والصفر المصحح، ما دخلت العرض بهذا الملف.»
أصابته الجملة لأنها لم تكن إهانة، بل تحديدًا لحد معرفته. حاول أن يضحك، ولم يخرج من حلقه إلا هواء قصير. مد يده مرة أخرى إلى طاولة التشخيص وقال للدكتور هشام: «خلاص، ظهرت المشكلة. هي تعطيك الخطوات وأنا أكمل.» كان يريد أقل نجاة ممكنة: أن تستعيد هي العقل ويبقى هو في الصورة.
هنا بدأت الضربة الأخيرة، العملية والعلنية معًا. دخل المذيع من طرف الجناح يسأل إن كانوا جاهزين لنقل الحضور. رجال الشركة الشريكة صاروا على بعد خطوات. النظام مغلق على صلاحية المالك، وخط التدفق متوقف، والشاشة تعرض اسم من حذّر ومن تجاهل. لم يعد السؤال من فهم العطل، بل من يلمس الجهاز الآن. هذا هو الموضع الذي يثبت فيه الاسم أو يسقط.
قالت سلمى للدكتور هشام: «افتحوا صلاحية المالك على حساب الحالة.» سألها: «من صاحبها؟» أجابت وهي تنظر إلى الشاشة: «أنا.»
تردد نصف ثانية فقط، ثم أشار للفني. أدار الفني الجهاز اللوحي بعيدًا عن فارس وقرّبه إلى سلمى. كانت الحركة صغيرة، لكنها بدلت ترتيب المكان كله؛ اليد التي تُعطى لها الأداة أمام الضيوف هي اليد التي يسلّم لها المجلس الحكم. فارس قال بحدة مكتومة: «دكتور، هذا تجاوز.» لكن أحدًا لم يلتفت إليه. حتى أبو فارس لم يتكلم.
أدخلت سلمى مفتاحها. انفتحت القناة اليدوية بكامل الصلاحية، وتحوّل لون إطار الشاشة إلى الأزرق الداكن الذي يدل على وضع المالك. نزعت غطاء الحساس الجانبي من الوحدة التجريبية، وثبتت طرف المسبار في المنفذ الثالث بيد ثابتة، ثم أوقفت تصحيح الإزاحة بالكامل. ارتفع النبض الخام على الشاشة واضحًا، فظهر الانسداد المتقطع في الصمام الدقيق قبل الحساس، لا في الحساس نفسه. هذه نقطة لا يراها إلا من يعرف أن العطل الكاذب يحب أن يتنكر في أبعد موضع عن سببه.
قال فارس بسرعة: «الصمام سليم، المشكلة من القراءة—» ضغطت سلمى زر التحقق النبضي ولم تسمح له أن يتم الجملة. أطلق الجهاز ثلاث نبضات اختبار متتالية. في الأولى سقط الخط. في الثانية ارتد. في الثالثة ظهر فرق الاستجابة بين القناة الثالثة وباقي القنوات بوضوح فاضح. ثم فتحت من الشاشة مخطط المسار وأشارت للفني فقط: «افتح الصمام الفرعي ثلاثة مليمترات.» تجمد الفني وهو ينظر إلى فارس. قالت دون أن ترفع صوتها: «على مسؤوليتي. الآن.»
نفذ. انفرج الصمام مقدارًا صغيرًا بالكاد يُرى، لكن الشاشة التقطته فورًا. استقام خط القناة الثالثة، انخفض التحذير الأحمر إلى أصفر، ثم اختفى. عاد شريط الحالة الأخضر تدريجيًا من اليسار إلى اليمين. رجال الشركة الشريكة صاروا يقرأون المخطط لا الوجوه. هذا هو الموت الحقيقي للهالة: حين تتحول العيون عن صاحب الكلام إلى أثر الفعل.
لم تتوقف عند الإصلاح. هذا ما قتل فرصة فارس الأخيرة في أن يتظاهر بالشراكة. فتحت سلمى سجل الإغلاق النهائي، وثبتت السبب: انسداد متقطع في الصمام الدقيق السابق للحساس الثالث، سببه تعديل تعويض غير معتمد أخفى النبض الخام. ثم ألغت قيمة الإزاحة اليدوية نهائيًا وأعادت النظام إلى المعايرة الأصلية المسجلة باسمها. كل خطوة كانت تظهر على الشاشة سطرًا بعد سطر، قراءة بعد قراءة، بحيث لا يبقى مجال لأن يقول أحد لاحقًا إنه هو من أغلق الحالة.
اقترب فارس خطوة، محاولًا استعادة شيء من مركزه، وقال بصوت خفيض متوتر: «أعطيني الجهاز، أنا أعلن النتيجة على الأقل.» رفعت سلمى الجهاز اللوحي قليلًا بعيدًا عن يده، لا بعنف ولا بتحدي جسدي، فقط بالمسافة الرسمية التي تمنع التعدي تحت نظر الكبار. ثم أدارت الشاشة الكبيرة نحو الضيوف أكثر، وكأنها تفتح مجلسًا وتغلق آخر. قالت للمذيع الذي عاد يتلفت: «الآن أدخلوا الوفد.»
دخلوا وهم يشاهدون النظام يعود حيًا أمامهم، لا عبر مقدمة لغوية، بل على الشاشة نفسها: القنوات الأربع خضراء، المطابقة المرجعية ناجحة، حالة التدفق مستقرة. الدكتور هشام، الذي كان قبل دقائق يسأل من يملك الصلاحية، تنحى نصف خطوة إلى الجانب ليترك لها خط الرؤية مع الضيوف. والفني، من دون أن يُطلب منه، وقف خلفها لا خلف فارس. أما فارس فبقي عند طرف الطاولة، قرب مكان الكابل الملفوف، في موضع من ينتظر السماح ولا يملكه.
قال أحد الضيوف، وهو يطالع السجل الظاهر: «اسم من أغلق الحالة يثبت تلقائيًا؟» أجابت سلمى وهي تعمل، لا وهي تشرح: «يثبت مع القراءة الأخيرة.»
هنا حاول النظام أن يختبرها للمرة الأخيرة، أو هكذا بدا. لمبة صغيرة فوق منفذ التشخيص ومضت برتقاليًا، إشارة إلى ضرورة تأكيد الإغلاق بعد التعديل اليدوي. هذه هي الخطوة التي كان فارس ينتظر أن تتعثر فيها؛ خطوة المالك النهائية، لا تصلح فيها التعليمات من بعيد. لو أعطت الجهاز لأحد، ولو للحظة، لوجد شقًا يعود منه إلى الواجهة.
وضعت سلمى الجهاز اللوحي على الحامل، فتحت لوحة التشخيص الكاملة على الشاشة الجانبية في حجرة التشخيص الملاصقة للمنصة، وخطت إليها بنفسها. كانت المساحة ضيقة، يحدها إطار باب معدني وستارة سوداء، لكنها فجأة صارت أوسع مكان في الجناح كله لأن السيطرة انتقلت إليها. على الشاشة ظهر مسار الحالة، وأسفله خانة الإغلاق: تأكيد قراءة ما بعد المعايرة، ثم اعتماد المالك. أدخلت المسبار مرة أخيرة، قرأت النبض المستقر، سحبت المؤشر فوق الخانة الأولى، ثم الثانية. تحولت الحالة من «معلقة» إلى «جاهزة للإقفال». رفعت يدها عن المسبار، وثبتت إصبعها على خانة الاعتماد.
قال فارس من خلفها، بصوت خشن فقد ترتيبه: «سلمى، انتظري—»
لم تلتفت. ضغطت الاعتماد. انزلق شريط التقدم الأبيض حتى نهايته، وظهر على شاشة التشخيص في باي الفحص: الحالة مغلقة — القراءة النهائية نظيفة — المالك: سلمى النعيمي. توقف المؤشر فوق السطر الأخير، ثابتًا بجانب الأثر المقروء، ولم يتحرك.