Fast Fiction

عادت صاحبة المخزن فأوقفتهم

سحب راشد بطاقة مرور مها من الحبل البالي المعلّق في عنقها، ولوّح بها فوق صندوق الوجبات البارد على طرف الطاولة، ثم قال للسائقين عند ساحة التحويل: «المسار الثالث يُحوَّل لفريق فهد. مها تقف اليوم على المراجعة فقط.» كانت الشمس تضرب ألواح الحديد عند طرف المستودع في الرياض، والهواء يطلع من بين الشاحنات ساخناً كأنه نفس فرن. رفعت مها يدها لتأخذ البطاقة، فأبعدها ببرود متعمّد، وأسقطها على لوحة التوزيع قبل أن يسحب اسمها من خانة الاستلام المباشر بقلمه الأحمر.

قالت بصوت ثابت: «أنت تعرف أن الدفعة الخاصة بالمضخات تحت مسؤوليتي.»

رد وهو يوقّع تحويل الحمولة من غير أن ينظر إليها: «كنتِ تحتها. الآن لا تعطلين الدور.» ثم التفت إلى سالم، أصغر المراقبين، وقال: «إذا جاءت أي عربة على رمز مها، توقفها عند الحافة. ما عندها صرف.»

عند الباب نصف المفتوح لمكتب الساحة، كانت حلقة الشاي على الخشب قد بردت حتى اسودّ طرفها، وكأن أحداً انتظر طويلاً ثم ترك الانتظار نفسه على الطاولة. لم يكن وجع مها في البطاقة وحدها. في هذا الموقع، من يملك البطاقة يملك طريق الدخول إلى خزانة التموين، وأولوية الرفع، وحق أن يقول لسائق متعب: تحرك أو انتظر. وراشد لم يسحب منها أداة عمل فقط؛ سحب مكانها أمام من يعرفون أنها من أمس كانت تمسك هذا الخط قبل أن يبدأ يضيّق عليها خطوة خطوة.

تحركت أول شاحنة إلى المسار الذي عيّنه راشد، فتوقفت ثلاث عربات صيانة خلفها كأن أحداً عقد حلقها. نزل سائق بلحية مغبرة من الكابينة وصاح: «أنا لي ساعة منتظر فلاتر التبريد! عندنا موقع واقف.» رد عليه راشد من بعيد، وهو يشير بكفه كما لو كان يطرد ذبابة: «انتظر دورك مع المراجعة.» ثم أشار إلى عامل الرافعة أن يحمّل صناديق أقل أولوية على الشاحنة الأخرى. على لوحة التوزيع ظهر الخلل مكشوفاً: خانة محطة الحائر تومض متأخرة، وخانة الفرز الميداني صارت حمراء. أجساد الرجال لم تعد تتحرك في خطوطها المعروفة؛ صاروا متوقفين عند المنعطف، ينظرون إلى بعضهم وإلى مها، كأن اسمها سُحب من الطريق قبل أن يُسحب من اللوحة.

اقترب سالم منها هامساً: «أخت مها، أبو ناصر يتصل من الموقع. يقول إن التأخير هذا بيقفل عليهم الوردية قبل العصر.» مد لها الهاتف، وفي الخلفية كان ضجيج مولدات وشتيمة مكتومة ثم صوت رجل كبير السن ضبط نفسه بصعوبة: «يا بنتي، الخط هذا ما كان يتأخر عليك. إذا الموضوع عند راشد، لا تخلينه يكسر ظهرنا.» لم تُطل الكلام. قالت: «خمس دقائق.» وأغلقت.

رفع راشد حاجبه ساخرًا. «خمس دقائق؟ من دون بطاقة؟» ثم التقط ملفاً من يد أمينة، موظفة الأرشيف التي كانت تقف عند الباب تحمل ظرفاً مختوماً. «حطيه عندي، وأنا أقرر وش يطلع وش يتأجل.» تشبثت أمينة بالظرف لحظة. نظرت إلى مها ثم إلى اسمه على الباب المعدني، وقالت بتردد: «هذا مو لك. هذا من غرفة الأرشيف المركزي، ومطلوب يسلَّم لصاحبة الصلاحية المقيَّدة.» ابتسم راشد ابتسامة صغيرة يريد منها أن تبدو محترمة أمام الموجودين. «وأنا من يمر عبره كل شيء هنا.»

مدت أمينة الظرف إلى مها مباشرة.

لم تمد مها يدها بسرعة. مسحت الغبار بطرف إصبعها عن ختم الشركة، ثم فتحت الظرف أمامهم. كانت ورقة واحدة، قصيرة وحادة، فيها أمر استرجاع صلاحية طوارئ مجمّدة باسمها، مرتبط بملف قديم أعيد فتحه بعد تدقيق حادثة الإمداد التي دُفنت قبل عامين. في أسفل الصفحة توقيع المدير التنفيذي نفسه وختم إدارة الامتثال، ومعه سطر لا يحتمل المساومة: «تُفعل فوراً في مسارات التموين الحرجة عند التعطيل.» لم ترفع الورقة لتشرحها. أخرجت من الظرف بطاقة معدنية صغيرة، قديمة لكن سليمة، عليها شريط أزرق داكن وشعار المستودعات المركزية.

مد راشد يده بسرعة: «هاتيه. أشوف.» سحبتها مها إلى كفها وقالت: «انتهى شوفك.»

ثم استدارت إلى الساحة قبل أن تترك له فرصة يصنع منها مجلساً صغيراً للكلام. رفعت البطاقة المعدنية نحو قارئ المسار الجانبي الذي ظل مغلقاً شهوراً، وقالت بصوت مسموع لا يحتاج صراخاً: «المسار الجنوبي يُفتح للطوارئ. عربات الحائر والفرز الميداني معي. سالم، حوّل الانتظار من المنعطف إلى الخط الأزرق. الآن.»

تردد سالم ثانية واحدة فقط، ثم ركض. انطلق صفير قصير من القارئ، وارتفع الحاجز الجانبي المعدني الذي لم يره السائقون مفتوحاً منذ زمن. تحرك رجلان من عمال التحميل تلقائياً نحو الخط الجديد، ثم تبعتهما الرافعة الشوكية بعد أن صاح سائقها: «الخط الأزرق مفتوح!» تبدلت الأجساد في لحظة؛ الرجال الذين كانوا متجمدين عند أمر راشد انعطفوا بكامل شاحناتهم إلى اليمين. انشقت الحركة من تحت يده لا من فوق رأسه. لوح راشد بذراعه غاضباً: «ولا أحد يتحرك! الأمر عندي!» لكن أول شاحنة كانت قد دخلت بالفعل إلى الممر الجديد، والثانية تبعتها، والثالثة أغلقت عليه زاوية الوقوف عند المنعطف. لم يعد يوقفهم إلا بأن يقف أمام الإطارات بنفسه.

وصل أبو ناصر بعد دقائق في سيارة بيضاء مغبرة، ونزل منها بعباءته الخفيفة فوق الثوب، وجهه مشدود من الحر والغضب معاً. هو مقاول قديم، وصديق لوالد راشد، ومن الرجال الذين إذا وقفوا في ساحة عمل تغيرت طريقة الكلام حولهم. راشد أسرع إليه قبل أن يبلغ الخط الجديد. «عمّي، الموضوع سوء فهم. مها تأخذ الأمور على نفسها، والقرار الإداري عندي.» كانت هذه نبرته حين يريد أن يكسو الطمع بغطاء الأدب، مستنداً إلى العمر والقرابة والوجه المعروف في المجالس.

نظر أبو ناصر إلى لوحة التوزيع المحدثة، ثم إلى الشاحنات وهي تدخل المسار الجنوبي من غير أن تمر بأمر راشد. سأل سؤالاً واحداً: «من فتح الخط؟»

قالت مها: «أنا.»

لم يلتفت أبو ناصر إلى راشد إلا بعد أن ثبت الجواب في الهواء. «إذا أنت فتحتِه، وين الصرف؟»

وقبل أن تجيب، تدخل راشد مستعجلاً: «الصرف عند خزانة التموين، ومفتاحها معي. واللوائح—»

قطعت مها كلامه هذه المرة من غير رفع صوت: «المفتاح ليس معك.»

تصلب وجهه. «من قال؟»

أخرجت من الظرف نفسه إشعار تسليم قديم محدث هذا الصباح، وأرته سطر الاسترداد. «لأنك من شهرين وقّعت استلاماً مؤقتاً على عهدة مجمّدة. ومع إعادة الفتح، المؤقت يرجع لأصله. الأصل عندي.» ثم التفتت إلى أمينة: «نسخة الأرشيف؟»

رفعت أمينة الملف الرمادي من صدرها، وفتحته عند صفحة فيها توقيع راشد نفسه. لم يكن في الصفحة فضيحة، وهذا ما جعلها أقسى؛ مجرد سطر إداري واضح يثبت أنه كان حارساً على شيء ليس له، واستغل الحراسة كأنها ملك. جف حلقه. مد يده إلى جيبه وأخرج سلسلة مفاتيح، قلبها بعصبية، ثم انفصل المفتاح الأصفر الصغير عنها كما لو أنه صار أثقل من أن يمسكه. لم يسلّمه. تشبث به.

كان الأذان الأول للعصر ينساب بعيداً من مسجد خلف سور الشركة، والحرارة تزداد لزوجة عند ألواح الشاحنات. لحظة قصيرة فقط، لكن كل من في الساحة شعر أن السؤال لم يعد: من الأقوى في الكلام؟ بل: من يملك حق صرف الإمداد الآن؟ راشد فهمها أيضاً، ولذلك لجأ إلى آخر ما عنده. اقترب خطوة من مها، خافضاً صوته على طريقة من يريد أن يلوّح بالستر لا بالحق. «لا تكبرينها هنا. العائلة والأصدقاء يعرفون الذي كان بيننا، وأبوي ما يرضى يطلع الأمر بهذا الشكل. خذي المفتاح بعدين ونرتبها داخل.»

بقيت مها مكانها. لم تتراجع ولم تتقدم. قالت: «أنت الذي أخرجته بهذا الشكل حين علقت الشاحنات باسمي.» ثم التفتت إلى أبي ناصر، وإلى السائقين الذين لم يعودوا يخفون انتباههم، وقالت بعبارة عملية باردة: «الموقع الأخير واقف. إذا تأخر خط الحائر أكثر، تتعطل ورديتان. أنا أنفذ تخصيص الطوارئ الآن.»

حاول راشد أن يسبقها إلى الخزانة الواقفة عند طرف المخزن الداخلي، قرب اللوحة المحدّثة. لكنه اصطدم بحده الحقيقي للمرة الأولى. سالم وقف عند الممر بخطوة واحدة فقط، ليست تحدياً صريحاً، لكنها منعت المرور حتى تصل صاحبة الصلاحية. قال سالم، وعيناه لا ترتفعان كثيراً: «أمر الصرف خرج باسم الأستاذة مها.» اضطر راشد أن يتوقف أمام من كان يلوح له صباحاً كخادم صغير. هذا التوقف وحده كان كافياً ليكسر نبرة صوته. «أنت تكلمني أنا بهذه الطريقة؟»

لكن لا أحد أجابه. لأن الرافعة في تلك اللحظة كانت قد رفعت أول صندوق فلاتر على الخط الأزرق، ولأن أبو ناصر قال من خلفه، بلهجة مجلس لا ساحة: «خلّ المرور لصاحبة الحق.»

سارت مها إلى اللوحة أولاً. شطبت بيد ثابتة تحويل راشد الأحمر، وأعادت كتابة الأسماء على خطين واضحين: الحائر، الفرز الميداني، ثم وقّعت أسفل التعديل بتوقيتها. بعد ذلك رفعت البطاقة المعدنية أمام القارئ الداخلي ففتح لها باب الشبك المؤدي إلى خزانة التموين. مد راشد يده كمن سيتدارك شيئاً أخيراً، لكن أمينة قالت من خلف الملف: «تسجيل الدخول انتقل.» لم تكن جملة كبيرة، لكنها أغلقت الباب على صوته.

داخل الشبك، كانت الخزانة الرمادية أطول مما تبدو من بعيد، عليها خدوش مفاتيح قديمة وبقعة شاي يابسة عند الحافة السفلية كأن أحداً سكب فيها تعب أيام كاملة. وقفت مها أمامها ومدت يدها. للحظة، ظل المفتاح الأصفر في قبضة راشد خارج الشبك، والكل يرى أنه صار بلا منفذ. هذا هو الفرق بين أن تملك معدناً وأن تملك الحق الذي يفتح به. قال أبو ناصر، دون أن يرفع صوته: «سلّم.» كان أمراً موجهاً إلى رجل أصغر منه سناً ومقاماً في هذه اللحظة، فزاد ثقله.

فتح راشد كفه أخيراً، لا كمن يتنازل، بل كمن يسقط منه شيء لم يعد يستطيع حمله. التقطت مها المفتاح من غير أن تنظر إليه، وأشارت لسالم: «سجل أول صرف: فلاتر التبريد للحائر، ثم عدة الإحكام للفرز الميداني. أي طلب غير مدرج يتوقف حتى أراجع بنفسي.» انطلق سالم يكتب. تحركت الرافعة. دارت عربة من الخلف إلى الخط المحدد. واحد من السائقين كان قد نزل من كابينته قبل دقائق غاضباً، فعاد إليها الآن من غير كلمة، فقط بسرعة رجل استعاد يومه.

حاول راشد أن يدخل وراءها إلى باب الشبك، فرفعت مها البطاقة المعدنية مرة واحدة، وانطفأت إشارة السماح على القارئ بالنسبة له. قالت وهي لا تزال تواجه الخزانة: «وصولك موقوف إلى أن تكتمل المراجعة.» كانت الجملة إدارية في شكلها، لكنها في الساحة بدت كأنها إغلاق مقعد الشرف أمام صاحبه المزيّف. بقي واقفاً خارج الشبك، يده فارغة، والممر الذي كان يمر منه كل شيء صار لا يعترف به.

ثبتت اللوحة الجديدة، وسُحبت أول عربة تحميل على أمرها، ثم وضعت مها المفتاح في قفل خزانة التموين بجانب لوحة التخصيص المحدّثة، وأدارته حتى صدر صوت الطقة المعدنية واضحاً: طق.