المهارة الحقيقية هي التي ظهرت
قال خالد وهو يشير بطرف القلم إلى المقعد البلاستيكي الملاصق للجدار: «مها، انتظري هنا. لمى بتاخذ الطاولة الأولى.» ثم سحب الحقيبة السوداء التي رتّبتها مها بنفسها منذ الفجر ووضعها أمام لمى كأنها تخصها من الأصل.
لم تنهض مها. هذا كان أسوأ ما في الإهانة؛ لم يتركوا لها حتى مساحة اعتراض محترم. جلست في آخر bench الانتظار، بين متسابقات يرفعن هواتفهن وبين علبة وجبة باردة في كيس شفاف تحت كرسيها، دجاجة ناشفة ورغيف ملفوف بورق مشبع بالدهن. خارج الزجاج كان حر الظهيرة يلمع فوق مواقف السيارات، وداخل القاعة كانت طاولة العرض منصوبة تحت شعار الشركة الراعية في قطاع الطاقة، وعلى يمينها لجنة من ثلاث نساء ورجلين، وأمامهم أوراق درجات وأكواب قهوة صغيرة. لمى السبيعي تقدمت بكعبها الهادئ وابتسامتها الجاهزة، سلمت على اللجنة، ثم فتحت حقيبة الأدوات بيد تعرف كيف تعرض الأشياء، لا كيف تستخدمها. على الطرف الخلفي، رفعت نورة ابنة خالتها حاجبيها لمها من بعيد ثم أنزلتهما بسرعة. العائلة والأصدقاء يعرفون أن بين مها وخالد تفاهمًا قديمًا مؤجلًا إلى أن تستقر وظيفتها. والآن خالد نفسه هو الذي حبسها على المقعد، أمام قاعة نصفها زميلات ونصفها معارف سيصل الكلام إليهم قبل المغرب.
قالت أمينة، رئيسة اللجنة، بنبرة رسمية: «المرشحة الأولى، ابدئي بشرح خطوات فحص منظومة الحماية للمحول التدريبي.» بدأت لمى الكلام كما لو أنها تحفظ نصًا إعلانيًا: تعريفات مرتبة، جمل ناعمة، مصطلحات صحيحة في ظاهرها. بعض المنتظرات هززن رؤوسهن إعجابًا، وخالد وقف عند حافة الطاولة يوزع نظرات الطمأنة، كأنه يقدّم نجمة متفقًا عليها مسبقًا.
ثم ضغطت لمى زر المحاكاة الخطأ. انطفأ المؤشر الأخضر، وظهر وميض أحمر صغير في اللوحة، وامتد صوت تنبيه حاد قطع القاعة. يد لمى تجمدت فوق المقبض. التفتت إلى الشاشة ثم إلى خالد. قال بسرعة، مبتسمًا للجنة: «مجرد تفصيلة بسيطة.» ثم نظر إلى مها دون أن يلتفت لها كامل جسده، واكتفى بأمر بارد: «من مكانك، قولي لها أي زر تعيد منه التهيئة.»
التفتت إليها الرؤوس كلها، لا بوصفها متسابقة، بل كأنها كتيب إرشادات موضوع على كرسي. شعرت مها بخشونة علامة حبر قديمة على إصبعها الأوسط من قلمها الذي تحمله كل يوم، وسمعت نفسها تقول من آخر الصف: «ليس إعادة تهيئة. افصلي دائرة الإنذار أولًا من المفتاح الجانبي، ثم أرجعي العتبة إلى خمسة، بعدها شغلي الاختبار.» نفذت لمى الكلمات حرفيًا، وعاد المؤشر الأخضر. ارتخى خالد في مكانه وقال للجنة: «مثل ما تفضلتم، عندها سرعة بديهة تحت الضغط.» الشرخ الصغير حصل أمام الجميع، واضحًا كالمؤشر الذي عاد للحياة، ومع ذلك حاول أن يمرره باسم لمى. ذلك كان أول كسر في الصورة، صغيرًا لكنه مادي، يمكن لأي أحد في القاعة أن يشير إليه.
أمينة لم تكتب شيئًا لثانيتين. نظرت إلى مها على المقعد، ثم إلى خالد، ثم قالت: «الشرح محفوظ عند كثير. نبي نشوف تنفيذ حي.» تدخل خالد فورًا: «الوقت ضيق، وباقي المرشحات—» قاطعه صوت الأذان الأول من مسجد قريب، خافتًا عبر الزجاج، فتوقفت القاعة لحظة قصيرة من تلقاء نفسها. استغلت أمينة السكتة وقالت بلهجة لا تحتمل الالتفاف: «جولة تجريبية واحدة. لمى تنفذ أمامنا عزل الخطأ وإعادة إدخال المنظومة في وضع الأمان خلال دقيقتين.» ثم رفعت عينيها نحو المقعد الأخير. «وإذا ما ضبطت، تقوم مها تكمل.»
لمى ابتسمت ابتسامة متيبسة، كأن الاسم الآخر لم يلسعها. وقفت أمام اللوحة، عدلت عباءتها عند المعصم، وبدأت. الخطوة الأولى كانت صحيحة. الثانية مترددة. عند الثالثة أمسكت بالمقبض الخطأ مرة أخرى، لا لأنه يشبه الآخر، بل لأنها لم تعرف لماذا اختارت الأول من الأصل. أضاءت الشاشة برسالة تحذير، وتردد صوت الطنين ثانية. همهمت إحدى عضوات اللجنة: «لا، بهذا الشكل تعيدين الخطأ على الدائرة.» قال خالد بسرعة من الحافة: «توتر طبيعي، أول مرة قدام لجنة—» رفعت أمينة كفها في وجهه دون أن تنظر إليه. لمى حاولت التدارك، لكن ترتيبها انهار؛ ضغطت، سحبت، التفتت إلى الشاشة، ثم نسيت موضع المفتاح الجانبي الذي أعادته قبل دقائق بكلمات مها.
قالت أمينة: «مها. على الطاولة.»
وقفت مها كأنها تقوم من آخر نهار طويل لا من مقعد مهانة. انشدت طيات عباءتها عند الكتفين من جلستها الطويلة، ودفعت كيس الوجبة الباردة بقدمها تحت الكرسي حتى لا يعيقها. سارت بين صف الانتظار والطاولة، وكل من كانت أمامه مساحة انسحب نصف خطوة دون أن يُطلب منه. حتى خالد رجع من حافة العرض إلى الخلف حين مرت، ثم مد يده إلى الحقيبة كأنه سيعطيها إياها متفضلًا. لم تأخذها منه؛ سحبتها من الطاولة مباشرة، فتأرجح قلمه وسقط على طرفها المعدني.
وقفت أمام اللوحة ولم تشرح. رفعت غطاء القاطع، ثبتت طرفيها على المفاتيح كما لو أنها تعرف سماكة كل واحدة في الظلام، وأطفأت الإنذار من الدائرة الصحيحة قبل أن يكمل صوته دورة كاملة. أنزلت العتبة إلى الرقم المطلوب، تحققت من استقرار الجهد على الشاشة، ثم أعادت الإدخال بهدوء واحد متصل. الأخضر عاد صافياً. بعده بثانية أطلقت المحاكاة اليدوية للخلل مرة ثانية، وهذه المرة لم تنتظر تعليمًا من أحد؛ عزلت مصدر الخطأ، بدلت وضعية الممر، وأعادت المنظومة إلى الأمان بزمن أقصر. أمينة نظرت إلى الساعة ثم كتبت مباشرة. العضوة الجالسة قرب اليمين سحبت كرسيها للأمام. والرجل الوحيد في اللجنة، الذي كان منذ البداية يتثاءب وراء فنجان القهوة، وضع الفنجان جانبًا وسأل مها: «لو كانت القراءة متذبذبة بين ثلاث قيم، وش أول احتمالين تستبعدينهم؟»
هنا تغيّر ترتيب الغرفة بوضوح. السؤال الفني لم يعد يذهب إلى لمى بل إلى مها. وخالد، الذي كان واقفًا ملاصقًا للطاولة كصاحب المشهد، بقي على الخط الفاصل بين الطاولة وصف الانتظار، لا هو مع اللجنة ولا هو مع المتسابقات. نورة، التي كانت تجلس قرب الممر، جمعت عباءتها وجلست مستقيمة، كأن أحدًا من العائلة صار مضطرًا أخيرًا أن يرفع رأسه بدل أن يتظاهر بأن ما يحدث عادي. أجابت مها باقتضاب، من غير استعراض. ثم سألتها أمينة عن حد تيار، وعن سبب اختيارها ذلك الترتيب في العزل، وكانت كل إجابة تُكتب فورًا. في المقعد الجانبي، لمى لم تجلس حيث كانت أولًا. وقفت لحظة تبحث بعينها عن مكان يعود بها إلى مركز الطاولة، فلم تجد إلا الطرف الأيسر من bench الانتظار.
كان يمكن أن يتوقف كل شيء هنا لو قبل خالد أن الصورة سقطت. لكنه اقترب خطوة وقال بابتسامة رقيقة زائدة: «للتوضيح فقط، الجزء الأول كان عرضًا تمهيديًا من لمى، والجزء التنفيذي بطبيعة الحال مها تساعد فيه لأن عندها خبرة عمل ميداني. التقييم النهائي لازم يراعي الحضور والتمثيل.» الكلمة الأخيرة فضحت قصده. هو لا يريد صاحبة الحرفة، يريد من تُحسن الوقوف أمام رعاة العقد. التفتت أمينة إليه هذه المرة كاملة. «أنت منسق، مو لجنة.» قالت ببرود أشد: «ونعيد الجولة الحاسمة الآن. لمى تبدأ من الصفر في سيناريو عطل مختلف. إذا أخطأت مرتين، تكمل مها الإجراء كاملًا، ونسجل الزمن والدقة. قدام الجميع.»
شد خالد فكه. لمى أخذت مكانها وكأنها دخلت إلى ضوء أقسى من السابق. هذه المرة وضعت اللجنة قطعة غطاء صغيرة على أحد المؤشرات لتجبر المنفذ على القراءة من صوت التبدل ومن سلوك اللوحة لا من اللون الظاهر فقط. همست إحدى المنتظرات باسم لمى تشجيعًا، لكن الصوت خرج ضعيفًا ثم اختفى. بدأت لمى. اللمسة الأولى متأخرة. الثانية مترددة. وعندما فتحت المسار الخاطئ، صدر من اللوحة طقطقة صغيرة جعلت كتفيها يقفزان. قالت أمينة فورًا: «هذا الخطأ الأول.» تنفست لمى بسرعة، أعادت يدها، وحاولت تعويض المسار بلف مقبض جانبي. لو نجح لفصلت نصف المنظومة عن الاختبار كله. قالت عضوة اللجنة: «انتبه—» لكن لمى كانت قد أتمت نصف الحركة. «الخطأ الثاني.»
في تلك اللحظة انقطعت آخر محاولة للستر. لا أحد قدر أن يزخرف السقوط. خالد فتح فمه، ربما ليقترح تأجيلًا أو يطلب فرصة ثالثة، لكن أمينة قالت قبله: «كفاية. خليها تكمل مها.» وتنحت لمى خطوة واحدة عن الطاولة. لم تكن خطوة درامية؛ كانت أقسى من ذلك لأنها عملية، مرئية، ومطلوبة. المقعد الذي تركته عند الحافة صار فارغًا، والطاولة نفسها صارت لمها دون جملة تلطيف واحدة.
تقدمت مها حتى لامست أطراف أصابعها الحافة المعدنية. لم تنظر إلى لمى، ولا إلى خالد، ولا حتى إلى نورة. اللوحة أمامها وحدها. السيناريو الجديد كان أصعب: قراءة ناقصة، صفارة غير مستقرة، ومؤشر مغطى، يعني أن عليها أن تعرف العطل من ترتيب الإشارات لا من لون واحد سهل. حركت المفتاح الأول نصف درجة فقط، وانتظرت تغير النبضة على الشاشة. لم تستعجل. بعد ثانيتين قصيرتين أغلقت مسارًا فرعيًا، فخف الطنين بدل أن ينقطع؛ ابتعدت عن الفخ المقصود فيه. ثم نزعت الغطاء الواقي عن القاطع الاحتياطي، لم تستخدمه، بل وضعت إصبعين عليه لتثبت للجنة أنها تعرف مكانه وتتركه عمدًا. الرجل في اللجنة مال بجسده للأمام. أمينة لم تعد تكتب الآن؛ كانت تراقب اليدين مباشرة.
انتقلت مها إلى الخطوة الثالثة كأنها تكمل شيئًا بدأته منذ سنوات لا منذ دقائق. بدلت ترتيب الفحص، تجاهلت المسار الذي أسقط لمى مرتين، وفتحت المنفذ السفلي الذي لا يلتفت له إلا من جرّب خللًا مشابهًا فعلًا. قفز صوت اللوحة من صفير حاد إلى نبض متقطع. «الآن.» قالتها لنفسها لا لأحد. ثبتت العتبة، أعادت الحمل تدريجيًا، راقبت الذبذبة حتى استقرت، ثم أدخلت المحول التدريبي في وضع الأمان الكامل. الأخضر ظهر تحت الغطاء المنزوع، ساكنًا هذه المرة بلا ارتجاف.
قبل أن يلتقط أحد أنفاسه، ضغطت أمينة زر المحاكاة مرة أخرى بنفسها. اختبار ثانٍ مباشر، من غير تحذير. هذا كان آخر ستر قديم يحاول أن يقاوم؛ إن تعثرت مها الآن أمكن لخالد أن يقول إن النجاح الأول كان صدفة. مها لم ترفع رأسها. مع أول إنذار، قطعت المسار المتسبب قبل أن يكمل الجهاز عبارته الصوتية. بدّلت موضع القاطع الاحتياطي أخيرًا، أدارت المقبض الرئيسي بربع لفة محسوبة، ثم أعادت التشغيل في تسلسل نظيف، لا زيادة فيه ولا حركة زائدة. الوقت على الشاشة توقف عند رقم أقل من نصف الزمن الممنوح. وعندما انتهت، لم تترك يدها مرتجفة في الهواء كما فعلت لمى؛ أعادت كل غطاء إلى موضعه، سوّت الكابل القصير بمحاذاة اللوحة، ثم أغلقت الحقيبة بنفس اليد التي فتحت بها المشهد كله.
هنا فقط ظهر الضرر على الخصم بأجسامه لا بالكلام. خالد، الذي كان يملأ الحافة منذ بداية اليوم، لم يعد يملك موضعًا يقف فيه؛ تراجع حتى اصطدمت كتفه بحامل اللوحة الجانبي. لمى مدت يدها إلى زجاجة الماء على الطاولة الجانبية، لكن أصابعها انزلقت ومالت الزجاجة على منديلين أبيضين. وعلى صف الانتظار، تحركت فتاتان كانتا تميلان نحو لمى في البداية إلى الأمام ناحية مها، لا إعجابًا مجرّدًا، بل طلبًا للأمان عند الجهة التي أصبحت صاحبة القرار.
قالت أمينة من غير أن ترفع صوتها: «نموذج المتقدمة يُستكمل هنا.» ثم دفعت ورقة الدرجات إلى منتصف طاولة اللجنة، لا إلى خالد. مد خالد يده كأنه سيأخذها بحكم تنسيقه، فتوقفت يد أمينة فوق الورقة قبل أن تصل إليها أصابعه. «اتركها.» ونظرت إلى مها: «وقعي على تنفيذ الجولة.»
أخذت مها القلم من قرب الفناجين. كان عليه خدش قديم وحبر يابس عند أعلاه، مثل القلم الذي في حقيبتها. وقعت باسمها كاملًا: مها العتيبي. ثم رفعت رأسها أخيرًا نحو خالد، لا طلبًا ولا شكوى، وقالت: «من اليوم، إذا احتجتوا عرضًا، جيبوا لمى. وإذا احتجتوا شغلًا، نادوني باسمي.» ثم وضعت القلم فوق الورقة، مستقيمًا مع حافتها، وتركتها تحت أيدي اللجنة على طاولة الحكام، بينما ظل المقعد الأيسر من bench الانتظار خاليًا، وورقة الدرجات ثابتة لا تُسلَّم لأحد.