Fast Fiction

الكل راهن على طردها

شدّ رجل الاستقبال الحبل المخملي عبر فتحة القوس عند هبطة السلم، ورفع كفه في وجه سلمى كأنها جاءت بالخطأ. “لحظة، الأسماء المعتمدة تدخل من هنا. أنتِ انتظري على الجنب.” توقفت قدمها على الدرجة الأخيرة، ومال صندوق الطعام الصغير البارد في يدها حتى طقطقت علبته. خلفها كانت النساء يصعدن بعباءات لامعة وعطر ثقيل، وأمامها ينساب بخار القهوة من صواني الضيافة إلى المجلس الداخلي. هذا أسوأ مكان يمكن أن تُترك فيه معلّقة: لا داخل ولا خارج، وتحت عيون يعرف أكثرها أنها لم تأتِ طامعة، بل بعد ثلاثة أشهر وهي تحمل هذا البيت كله فوق ظهرها بصمت.

رفعت عينيها إلى نوفل، الواقف نصف درجة أعلى منها عند منعطف السلم، بشتٍ خفيف على كتفيه، وهاتفه في يده، وصوته بارد متعمّد. لم يقترب ليسلّم، ولم يقل اسمها. فقط أشار بطرف إصبعه إلى جانب الحائط قرب حامل الزهور. “خليها هناك. اليوم عندنا كبار من العائلة وشركاء من قطاع الطاقة، والموضوع يحتاج ترتيب. مو كل أحد يطلع فوق.” قالها بصوت يكفي أن يسمعه من في الدرج ومن عند القوس، ثم استدار يرحّب بابنة عم بعيدة لم يرها أحد من سنة، وقدّمها قبلها. الإهانة لم تكن في المنع وحده، بل في طريقة إنزالها درجة كاملة أمام ناس يعرفون أن العائلة والأصدقاء يعرفون علاقتها بخالد، ويعرفون أيضاً من كان يزور أم نوفل في المستشفى، ومن كان ينسّق أوراق العلاج، ومن كان يرد على اتصالات الأقارب حين اختفى الرجال في اجتماعاتهم.

لم تتكلم. فقط نقلت صندوق الطعام إلى يدها الأخرى، وعدّلت كمّ عباءتها المتجعّد عند المعصم من أثر دوام طويل، ثم خطت نصف خطوة للأمام حتى لامس طرف حذائها قاعدة الحاجز المعدنية. حركة صغيرة، لكنها كسرت يقين المكان بأن أمره نافذ بلا مراجعة. رجل الاستقبال التفت إلى نوفل مستفهماً، وابنة العم أبطأت صعودها. حتى المرآة المعدنية بجانب المصعد، المغبشة بمسحات قديمة وبصمات أصابع، التقطت انعكاس الوقفة كلها: هو أعلى بدرجة، وهي مثبتة عند الحد، وكل من يمرّ مضطر أن يلتفت.

ابتسم نوفل ابتسامة مستعارة، تلك التي يستعملها حين يريد أن يصفع بأدب. “سلمى، لا تحرجين نفسك. ما في دعوة باسمك. وإذا خالد قال لك شيء فهذا بينكم، لكن الدخول الليلة بترتيب البيت.” ثم التفت إلى المنسق الشاب الذي يحمل دفتر الضيوف وقال بوضوح أشد: “أي أحد غير مثبت، ينتظر تحت إلى أن نقرر.”

وصلت أم نوفل من الممر الجانبي على وقع فناجين القهوة، وتوقفت قبل أن تقترب كفاية. لم تقل “ادخلي”، ولم تقل “ارجعي”. فقط نظرت نظرة سريعة إلى الوجوه حول السلم، تلك النظرة التي تخاف الفضيحة أكثر مما تخاف الظلم. وهذا هو السم كله: حين يصير السكوت نفسه موافقة. فوق الهبطة، كان بعض الرجال يبطئون نزولهم حتى يشاهدوا من الذي مُنع. وعلى الطرف الآخر، همست امرأة لابنتها باسم سلمى ثم سكتت عندما لمحتهما.

قالت سلمى أخيراً، بصوت منخفض لكنه واضح: “باسم من تُمنع الضيافة الليلة؟” لم تزد حرفاً. سؤال قصير، كأنه طلب رسمي، لكنه خرج في المكان الصحيح تماماً. لم تسأل إن كانت مدعوة؛ ردّت السؤال إلى موضع السلطة نفسه. أصابع نوفل تشدّدت على الهاتف. التفتت الرؤوس لا إليها بل إليه. هو الذي أعلن قبل لحظة أن القرار قراره، والآن عليه أن يقول أمام أمّه، والمنسق، والضيوف: باسم من؟

أجاب بسرعة أولى فاسدة: “باسم ترتيب العائلة.” ثم سكت، لأن “العائلة” كانت واقفة حوله بوجوه متعددة لا وجه واحداً. رفعت سلمى حاجباً واحداً. “من العائلة؟” هذه المرة خرجت الكلمات أنظف، وأقسى. لا حجة طويلة، لا بكاء، لا مرافعة. مجرد تضييق للحبل على عنقه هو. المنسق أنزل الدفتر قليلاً. أم نوفل نظرت إلى ابنها، لا إلى سلمى. وابنة العم التي كان يُصعدها قبلاً بقيت على الدرجة نفسها، معلّقة مثلهما، لا تعرف هل تكمل أم ترجع.

قال نوفل: “أنا أتولى الاستقبال.” قالت سلمى فوراً: “الاستقبال مو وصاية.” وقع الرد في الممر ككسر زجاج صغير. لم يجرؤ أحد أن يبتسم، لكن شيئاً انشلع من هيبة صوته.

من أعلى السلم نزل خالد أخيراً، لا مندفعاً كبطل متأخر، بل مجبراً على المرور في الممر المختنق وقد سمع آخر الجملة. كان ثوبه مفتوح الزر عند الرقبة قليلاً، وعلى كتفه أثر تعب يوم طويل، كأنه خرج من اجتماع ولم يبدّل حتى توتره. لمح سلمى أولاً، ثم الحبل المشدود، ثم أخاه. لم يقل “ما الذي يحدث؟” لأن ما يحدث كان مكشوفاً أكثر من أن يُشرح.

قال نوفل بسرعة وهو يلتقط فرصة وجوده: “جيد أنك جيت. قل لها بنفسك الليلة مو وقت إحراج. إذا تبي تدخل أحد، له طريقه.” التفت خالد إلى رجل الاستقبال لا إلى أخيه. “من الذي أمرك يوقفها؟” أشار الرجل مرتبكاً إلى نوفل. هذه كانت الشقّة الأولى الواضحة. وجه نوفل تغيّر قبل أن يتكلم، لأن السلطة التي كان يلبسها فوق الدرج انفضحت أنها مستعارة من اسمه لا من حقه.

لكن خالد لم يحسم. نظر إلى سلمى، وانتظر. كانت تلك الثواني أخطر من المنع نفسه. لو تكلم عنها، صارت ضيفة يُتفضّل عليها. لو سكت، أكمل نوفل دفنها تحت “الترتيب”. فهمت هذا بسرعة باردة. لذلك لم تلتفت إلى خالد إلا بقدر ما يثبت وجوده كشاهد، ثم رفعت صندوق الطعام الصغير في يدها وقالت بصوت يسمعه من عند القوس ومن عند مجلس الرجال: “أنا ما جئت أطلب إذناً من موظف باب ولا من قريب يستعير اسم البيت. أنا المرأة التي أعلن خالد خطبته لها أمام العائلة، والتي كانت تدخل على أمكم في مرضها قبل أن يتذكر بعضكم طريق المستشفى. إذا عندكم تراجع، فليُقال باسمه الآن، هنا، أمام الناس. وإن لم يكن عندكم تراجع، فأنا أدخل من المدخل الذي يخصني، لا من زاوية انتظار.”

سقطت الكلمات على المكان دفعة واحدة. هذه ليست شكوى. هذا تثبيت مقام. أم نوفل قبضت مسبحتها حتى ظهرت عقدتان بيضاوان في أصابعها. أحد الشيوخ من جهة الأم، كان نازلاً ببطء، توقف على الدرجة العليا وقال وهو ينظر إلى نوفل لا إلى سلمى: “إذا كان في تراجع، يُعلن الرجال عن تراجعهم. أما تعليق المرأة على السلم، فهذا ما هو من حسن التدبير.” لم ينصرها بكلمة حنان؛ فقط نزع الغطاء عن تصرّف نوفل وأظهره رخيصاً أمام الكبار.

حاول نوفل الالتفاف. “يا خال، الموضوع مو كذا. الليلة عندنا ترتيبات حساسة وضيوف مهمين، و—” قاطعه الشيخ ببرود: “الضيافة الحساسة ما تبدأ بإهانة من يعرفها البيت.” تراجعت امرأة تحمل دلة قهوة نصف خطوة لتفتح ممراً من غير وعي. وفي الجهة الأخرى، المنسق الشاب أغلق دفتره تماماً. لم يعد أحد يتعامل مع رواية نوفل كأنها الأصل. صار هو المعلّق عند الهبطة، لا هي.

تنفّس نوفل من أنفه، ونزل درجة ليقترب من سلمى، محاولاً استعادة الخفض بالهمس. “لا ترفعين صوتك أكثر. ما تحتاجين تكبّرينها.” نظرت إليه من المسافة نفسها التي فرضها هو أولاً. “أنت الذي كبّرتها عندما أوقفتني بالحبل.” ثم التفتت قليلاً، لا إليه وحده بل إلى المكان كله، إلى أم نوفل، إلى الشيخ، إلى خالد، إلى من يحملون القهوة ويتظاهرون بالانشغال. “أسمعكم مرة واحدة فقط: لا أحد يضعني في خانة الانتظار ثم يطلب مني حفظ وجهه. إما أن أُستقبل بصفتي المعلنة، وإما أن يتحمل صاحب التراجع اسمه الآن.”

كان هذا هو القفل. لم تترك لهم مخرجاً ناعماً. لا اعتذار خاص، لا لاحقاً، لا “نفهم الأمر بهدوء”. فقط خياران كلاهما يحرق وجه نوفل: إما الاعتراف بها علناً، أو إعلان التراجع العلني الذي لا يملكه. خالد فهم اللحظة أخيراً، لكنه لم يتقدم ليحتلها. قال جملة واحدة، بلا شرح: “ما عندي تراجع.” ثم سكت.

ارتطم المعنى في صدر نوفل كأنه دفعة جسدية. لو واصل المنع بعد هذه الجملة، صار هو من يعصي إعلان صاحب الشأن نفسه أمام الكبار. ولو تراجع، انكشف أن استعراضه كله كان سلطة مستعارة. حاول أن يتمسّك بشيء أخير، فقال لرجل الاستقبال: “خَلّ—” لكن صوته خرج مكسوراً، لأن الرجل لم يعد ينظر إليه بل إلى خالد ثم إلى الشيخ ثم إلى سلمى. وحتى قبل أن يكمل، كانت أم نوفل قد ابتعدت نصف خطوة عن موضعه، ذلك الابتعاد الصغير الذي يترك الرجل وحيداً في خطئه.

مدّت سلمى يدها إلى الحبل المخملي، لا بعنف ولا بسرقة، بل كمن يزيح ستارة تخصها. وقالت، وهي تنظر مباشرة إلى نوفل: “أنا أدخل أولاً. ومن لديه اعتراض، فليمنعني باسمه هو، لا باسم البيت.” ثم رفعت الحبل عن الخط الفاصل ومرّت بين القاعدتين المعدنيتين بخطوة مستقيمة، كتفاها ثابتان، وصندوق الطعام البارد في يدها كأنه شاهد آخر على من خدم ومن استعرض.

حين اندفعت ابنة العم تلقائياً خلفها، رفع نوفل ذراعه يمنع المسار، ثم أنزلها فوراً لأنه أدرك متأخراً أن الجسد الذي أوقفه الآن هو جسده هو. بقي على الدرجة الوسطى، لا فوق ولا تحت، فيما أخذ خالد مكاناً جانبياً لا أمام سلمى، كأنه يعترف أخيراً أن المسار صار لها لا به. مرّت بمحاذاة المرآة المعدنية، وانعكست صورتها هذه المرة داخل القوس لا خارجه. وبالقرب من وقت الصلاة، حين خفتت الأصوات لحظة ومالت صواني القهوة إلى الداخل، صار الممر يقرأها القراءة الوحيدة الممكنة: أنها ليست ضيفة مؤجلة ولا اسماً قابلاً للمحو عند المدخل.

عند قوس الدخول الملاصق لهبطة السلم، كان الحبل قد انقلب إلى جهتها سلفاً، وانسحب من القاعدة المعدنية في قوس لين متأرجح، فمضت سلمى أولاً.